راي

*ياسر عرمان يكتب*…*يوسف كوة مكي* *أهميته في أجندة* *الوحدة والهامش* *25 عاماً من الغياب فلنحتفي بحياته – (3-3)* ــ بعانخي برس

بعانخي برس

 

 

 

*ياسر عرمان*

(1)
ذات ليلة كثيفة الحضور في “ميدان الحرية” بمدينة كادقلي، وبُعيد ثورة أكتوبر 1964، عقدت ندوة جمهورها العريض من النوبة المتعبين، المعدمين، العالقين في رصيف الهامش. وخاطبها محمود حسيب، والأب فليب عباس غبوش، وعطرون عطية، وهلري باولو لوقالي، والأخير إنسان ذو فكر تقدمي منذ سنوات دراسته في جامعة الخرطوم، فقد انتمى لحركة الطلاب الديمقراطية وعُرف عنه وبيتر قاركواث بالسعي لوحدة الجنوبيين والوقوف ضد القبلية في الجنوب، في ندوة كادقلي تلك التي كتب عنها تقارير لوزارة الداخلية. قال محمود حسيب في عبارة ساحرة وتاريخية: “إن قضية جبال النوبة لهي شديدة الشبه بقضية “الجنوب ودارفور والنيل الأزرق”. وقد كاد محمود حسيب ان يلامس مشروع السودان الجديد بيديه، ولم يبتعد عنه سوى عدة خطوات لم تكتمل. وكأن محمود حسيب كان يقرأ من كتاب المستقبل المفتوح أمامه، ولأن التاريخ هو خارطة الطريق نحو المستقبل، فمن المهم الرجوع إلى الماضي لاستشراف المستقبل.

والفريضة الغائبة في عالم السياسة لا تزال هي كيفية بناء كتلة تاريخية من الريف والمدن تعبر بنا نحو المستقبل. وتكمن أهمية يوسف كوة مكي ورفاقه في أنهم أصبحوا جزءاً من حركة جاءت تسعى من أقصى الجنوب في محاولة مغايرة لتاريخ الاضطهاد، وفي سعيها لوحدة المهمشين. ساهم يوسف كوة في ذلك بقدح معلى، وكان منفتحاً على أجندة الحركة الديمقراطية ورافضاً للتقزيم، وربما إذا ما إتاحت الحياة ليوسف كوة ان يكون موجودا حتى يومنا هذا، لتغير وجه الحركة الشعبية في الشمال وأجندة الهامش.
حينما يُكتب تاريخ الهامش وتاريخ الحركة الشعبية، سيحتل يوسف كوة مكي موقعاً رفيعاً، وستُبرز مساهمته المهمة في تطوير فكر الهامش في الممارسة قبل التنظير، واستجابته للنداء الذي أطلقته الحركة الشعبية من الجنوب لوحدة المهمشين، ومساهمته في وضع الأجندة المشتركة بين الشمال والجنوب. فقد وقف يوسف كوة مع وحدة السودان، وهناك وقائع عديدة تؤكد توجهاته. فعندما وقعت الحركة الشعبية وحزب الأمة على حق تقرير المصير في شقدوم، وقع يوسف كوة على إعلان القاهرة مع الحزب الاتحادي الديمقراطي وبدعم من الميرغني، داعياً لوحدة السودان مما خلق تناقضاً في خط الحركة الشعبية في ذلك الوقت، وتمت معالجته بالحوار والجهد.

قاوم يوسف كوة محاولات القوميين شمالاً وجنوباً في تقزيم مشروع الحركة الشعبية وحصره في نطاق إثني وجغرافي، وكمشروع للقومية الضيقة. دخل في معارك عديدة خصوصاً بعد انقسام الحركة الشعبية في أغسطس 1991 وإعلان الناصر الذي جاء بعنوان “لماذا يجب أن يذهب قرنق”، وتمسك بقيادة جون قرنق وحافظ على الروابط مع الحركة الشعبية الأم.
استمر في الدعوة لمشروع السودان الجديد، وقام بإنشاء مؤسسات تتيح للنوبة قدراً من الاستقلالية الذاتية دون التخلي عن الروابط التي توحد الحركة الشعبية. وقد شاهدت ذلك أثناء حضوري للمؤتمر الثاني للمجلس الاستشاري لجبال النوبة الذي عقد في جبال النوبة عام 1997.

مر يوسف كوة بظروف صعبة في تلك السنوات، وظلت مواقفه ثابتة في محادثات أبوجا ومحادثات أديس أبابا. وكانت هناك حملة كبيرة قادها عدد من قادة النوبة داخل الحركة الشعبية وخارجها لفك الارتباط مع جنوب السودان، ورفض يوسف كوة ذلك. وقد دعاني لحضور اجتماع مع عدد من قادة القوميين من جبال النوبة في فندق “استنالي” بنيروبي، ولا يزال بعضهم فاعلاً في الحياة السياسية. حينما حاولت الاعتذار له بأن من الأفضل عدم حضوري الاجتماع، أصر على حضوري، مؤكداً أن الأجندة يجب أن تكون أجندة للسودان كله، وأنه ملتزم بقضايا النوبة دون التخلي عن أجندة السودان الجديد. وكان الحوار مهماً، امتد لساعات، دافع فيه يوسف كوة عن مواقفه وعن أجندة السودان الجديد.

في محادثات أديس أبابا، رفض يوسف كوة عروض دكتور مصطفى عثمان للفصل بين قضايا النوبة والجنوبيين، وقبلها رفض عرض محمد الأمين خليفة لتعيينه حاكماً لجنوب كردفان على أن يتخلى عن الحركة الشعبية. وحدثني يوسف كوة والسفير الراحل ماجد يوسف عن حوارهما في لندن، حينما بعثت حكومة الإنقاذ السفير ماجد يوسف لإقناعه بعرض يتنازل بموجبه عن الحركة الشعبية ويستجيب للأجندة التي تخص جبال النوبة. وقد ظل السفير ماجد يوسف معجباً بالكلمات القوية والحوار الذي أجراه معه يوسف كوة حينما قدم له عروض حكومة الإنقاذ وقسمة السلطة وتنصيبه في أعلى دست حكم الإنقاذ، وذكر يوسف لماجد أن حل قضيته الشخصية لا يحل قضايا النوبة، وأن قضايا النوبة أعمق من العروض الشخصية، وفاجأه بأن قضيته الشخصية لا تهم، وأنه يعاني الآن من مرض السرطان. وقد ظل الراحل ماجد يكن احتراماً وتقديراً كبيرين ليوسف كوة، رغم أنهما كانا على طرفي نقيض.

وفي عام 2001، ذهبنا معاً وحضرنا اجتماعاً في مبنى وزارة الخارجية البريطانية في لندن، وقد استمعت لما قاله للسفير “ألستر ماكفيل”، مسؤول قسم السودان بالخارجية البريطانية. وقد انتشرت الأورام السرطانية في جسمه، فقال له السفير ألستر: “أنت تحتاج إلى راحة بعيداً عن الاجتماعات”، فرد يوسف كوة قائلاً: “إنما تبقى لي هو زمن بسيط سأقضيه على أبواب وزارة الخارجية حتى تذهب الإغاثة إلى أهل جبال النوبة”. وظل السفير ألستر ماكفيل يتذكر ما قاله يوسف كوة كلما التقت به، حينما عين بعد ذلك سفيراً لبريطانيا في جوبا، وفي أديس أبابا. لقد حفر يوسف كوة كلماته بقوة في ذاكرة ألستر ماكفيل، وكما هو الحال دائماً، فإن الحياة دون قضية لعنة.

مررت سريعاً على هذه المواقف العظيمة التي تحتاج إلى تفاصيل لا تزال مضيئة وأسماء أخرى من المشاركين، واختصرتها خشية الإطالة، ولم أذكر مواقف عديدة في الذاكرة ليوسف كوة مكي، وسأعود لها في وقت لاحق إن أتاحت لنا الحياة فرصة. فهي مسجلة بمداد من نور، تدعونا للاحتفاء بحياة يوسف كوة مكي، التي لا زالت تحمل شعاعاً يضيء في العتمة ويفتح آفاق المستقبل للمناضلين الشباب من النوبة، ومن كل أرجاء السودان، وللسودانيات والسودانيين، والديسمبريات والديسمبريين الباحثين عن الأخوة الشريفة والمواطنة بلا تمييز.

(2)

قبل (43) عاماً، طرح مشروع السودان الجديد قيام سودان علماني ديمقراطي موحد، وبعد (43) عاماً، لم نحقق أياً من هذه الأهداف. لماذا؟
إننا بحاجة إلى البحث في أسباب الفشل حتى نتوجه إلى المستقبل برؤية سديدة. والفشل هو النصف الفارغ من كوب الحركة الشعبية والطرح التاريخي لمشروع السودان الجديد، لكن النصف المملوء من كوبنا يشمل إنجازات كبيرة. فقبل الحركة الشعبية، كانت هناك صعوبة في أن يتقبل كثير من السودانيين ويحتفون بالتنوع التاريخي والمعاصر وقبل الحركة الشعبية، كان سؤال “كيف يحكم السودان؟” سؤالاً يتيماً لا يجوز طرحه، وكان المطروح هو من يحكم السودان. وقبل رؤية السودان الجديد، لم يكن الاحتفاء بحق الآخرين في أن يكونوا آخرين أمراً مرحباً به عند كثيرين، بل كان القول الثابت “السودان بلد عربي إسلامي”، ومن لا يعجبه ذلك فليأخذ عصاه ويرحل. كل هذه التابوهات والمحرمات أصبحت شيئاً من الماضي، وأصبح الكل يغرد ويحتفي بالتنوع، حتى ولو على سبيل الدعاية والمظاهر الشكلية.

إن تثبيت قضايا المواطنة والإنصاف والعدالة كان ليوسف كوة مساهمات جليلة في الدفع بها إلى الأمام والتبشير بمشروع السودان الجديد، ولا زال هذا المشروع يحمل وعداً وقمحاً، ويظهر في كل لحظة ثورية واعدة، وفي كل منصة فاعلة للتغيير. شهدنا ذلك في الساحة الخضراء، وفي جمهورية النفق عند ساحة الاعتصام، التي احتفت بالأعمدة الرئيسية لمشروع السودان الجديد، وكان الشعار الرئيسي لجمهورية النفق “الشعب يريد بناء سودان جديد”. ولقد شعرت بقشعريرة حينما رأيت في ساحة الاعتصام صور الدكتور جون قرنق، وقضايا التنوع، والمطالبة بمشروع جديد تستخدم كعملة للتبادل في ساحة الاعتصام.
طرحت حرب 15 أبريل وبنادقها الآثمة أسئلة وإجابات مشروع السودان الجديد كمدخل لوقف جرائم الحرب والإبادة، وخطاب الكراهية، وتوحيد الكتلة الحرجة والوازنة التي شكلتها ثورة ديسمبر والثورات السودانية وشهداؤها من كافة أرجاء السودان.

الثورة السودانية مشروع مؤجل لا تنقضي صلاحيته منذ ثورة 1924، وقد مرت بمنعرجات وتعقيدات هائلة، ورؤية السودان الجديد طرحت الأسئلة القديمة والجديدة في قلب مشروع الثورة السودانية، وأصبحت رؤية السودان الجديد ملكاً لجماهير واسعة في الريف والمدن، وشكلت أجندة العمل السلمي الديمقراطي، وهي رؤية توحد ولا تفرق، ورؤية لتوحيد السودان لا آلية لتمزيقه كما يفعل البعض، وهكذا يجب أن تكون، وأصبحت ضرورة تاريخية للوصول إلى مرافئ إكمال الثورة السودانية. أما الكفاح المسلح فقد صلاحيته الآن، فهو أداة جاءت في سياقا تاريخي، لكنها ليس الأداة الوحيدة، سيما وأن حركات التحرر الوطني التي جاءت عبر البندقية والكفاح المسلح لم تستطع الإجابة على أسئلة العدالة الاجتماعية والديمقراطية والتبادل السلمي للسلطة، ما عدا تجربة جنوب إفريقيا، التي تمر هذه الأيام بمفترق الطرق، والتحالف التاريخي للقوى التقدمية مهددا بالتلاشي.
إن الإطار الفكري والسياسي والنظري الذي طرحته الحركة الشعبية منذ انطلاقتها في 16 مايو 1983 في مدينة بور، جذب ملايين الناس في الساحة الخضراء يوم الجمعة 7 يوليو 2005، وهي تجربة تدل على إمكانية بناء تحالف عضوي لمهمشي الريف والمدن، وبين قوى السودان الجديد والتغيير والثورة، وكافة الباحثين عن مشروع نهضوي يخرج بنا من المأزق التاريخي ويساهم في حل إشكاليات البناء الوطني. ان بصمات يوسف كوة مكي ومواقفه الجريئة لتوحيد المهمشين ورفضه للتقزيم وتجربته لم تكن مجرد معارك عسكرية، وجوهر ما قدمته من إطار فكري وسياسي لا يمحى أثره في أي محاولة صادقة لإكمال الثورة السودانية، وبناء دولة المواطنة بلا تمييز الديمقراطية.

(3)
حينما ترأس يوسف كوة مكي اللجنة التحضيرية، وبعدها المؤتمر العام الأول للحركة الشعبية لتحرير السودان، الذي عقد بشقدوم في شرق الاستوائية في الفترة من 2-13 أبريل 1994، وحضره ما يزيد على 500 مندوب، وتمكن المؤتمر من معالجة قضايا استراتيجية وحدت الحركة الشعبية وانتخبت قيادتها. لقد كان إسهام يوسف كوة مكي كرئيس لهذا المؤتمر العام إسهاماً تاريخياً لوحدة الهامش، وسيظل رأسمالاً معنوياً صالحاً للمساهمة في قيام “اتحاد سوداني” بين دولتي السودان، ومن كان يظن أن ألمانيا وفرنسا سيضمهما اتحاد واحد هو الاتحاد الأوروبي بعد مآسي الحرب العالمية الثانية.
إن جنوب كردفان/جبال النوبة، والنيل الأزرق، والسودانيات والسودانيين من كافة أنحاء السودان، الذين ناضلوا في صفوف الحركة الشعبية شمالاً وجنوباً، شكلوا رأسمالاً مستقبلياً للوصول إلى اتحاد سوداني في المستقبل، وترتيبات منصفة بين دولتي السودان تضمن المصالح المتوازنة، والنظرة من بوابة روابط التاريخ والثقافة والمصالح الفعلية بين الشعبين، بعيداً عن النظرة الضيقة من ثقب الباب لهذه العلاقة.
شخصيات مثل يوسف كوة مكي ودكتور جون قرنق دي مبيور هي نقاط التقاء تساهم في تحويل الكارثة إلى منفعة. وأثبتت التجربة أن دولتي السودان لا يمكن أن تنهضا إحداهما دون الأخرى، ودون أجندة السلام والعدالة والمواطنة والديمقراطية والتنمية، وهي قوائم مشتركة لشعب واحد في دولتين.

طوبى ليوسف كوة مكي في بحثه عن الحياة والكرامة للجميع.

*7 ابريل 2026*

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى