م. نادر زكي الشريف يكتب .. السُّودانُ ومِصرُ: مَصيرٌ واحِدٌ ووَحدةٌ لا تَنـفَصِمُ ــ بعانخي برس
بعانخي برس

تَربُطُ السُّودانَ ومِصرَ عَلاقاتٌ ضارِبةٌ في عُمقِ التَّاريخِ، تَتجاوَزُ حُدودَ السِّياسةِ والجُغرافيا لِتَصِلَ إلى جُذورِ الثَّقافةِ والدِّينِ والعاداتِ والتَّقاليدِ. ومُنذُ آلافِ السِّنينَ، ظَلَّ نَهرُ النِّيلِ شِريانَ حياةٍ يَجمَعُ الشَّعبَينِ، ويُؤكِّدُ أنَّ مَصيرَ وادي النِّيلِ واحِدٌ لا يَتجزَّأُ.
اليَومَ، ومَعَ تَعاظُمِ التَّحدِّياتِ في المِنطقةِ، تَزدادُ الحاجةُ المُلحَّةُ إلى تَعزيزِ التَّعاونِ بَينَ الخُرطومِ والقاهرةِ، لَيسَ فَقَط على مُستَوى الحُكوماتِ، بَل أَيضاً على مُستَوى الشُّعوبِ.
تاريخٌ مُمتَدٌّ ووَحدةٌ راسِخةٌ
لَم تَكُنِ العَلاقةُ بَينَ مِصرَ والسُّودانِ عَلاقةَ جِوارٍ عابِرةٍ، بَل عَلاقةَ امتِدادٍ طَبيعيٍّ. فمُنذُ عَهدِ الفَراعِنةِ وحَتّى استِقلالِ السُّودانِ عامَ 1956، ظَلَّت فِكرةُ “وَحدةِ وادي النِّيلِ” حاضِرةً. وما زالَتِ الرَّوابِطُ الإنسانيَّةُ والاجتِماعيَّةُ أَقوَى مِن أَيِّ حُدودٍ جُغرافيَّةٍ.
تَحدِّياتٌ مُشترَكةٌ.. ومَصيرٌ مُشترَكٌ
يُشكِّلُ نَهرُ النِّيلِ أبرَزَ مَلامِحِ المَصيرِ المُشترَكِ، إذ يَعتَمِدُ عَلَيهِ البَلَدانِ مَصدَرًا أَساسيًّا للحَياةِ، مِمَّا يَفرِضُ عَلَيهِما تَنسيقَ المَواقِفِ بِشَأنِ مِلفِّ المِياهِ وسَدِّ النَّهضةِ والتَّغيُّرِ المُناخيِّ.
أمَّا على صَعيدِ الأَمنِ القَوميِّ، فإنَّ استِقرارَ السُّودانِ يَنعَكِسُ مُباشَرةً على مِصرَ والعَكسُ صَحيحٌ، لِذلِكَ يَستَمِرُّ التَّعاونُ العَسكريُّ والأَمنيُّ لِمُواجَهةِ الإرهابِ والهِجرةِ غَيرِ النِّظاميَّةِ وضَبطِ الحُدودِ.
شُعوبٌ مُتداخِلةٌ وثَقافةٌ واحِدةٌ
القَبائِلُ والعائِلاتُ المُمتَدَّةُ على جانِبَيِ الحُدودِ، مِثلَ الجَعلِيِّينَ والمَحسِ والحَلفاوِيِّينَ، تُمثِّلُ جُسورًا اجتِماعيَّةً لا تَعرِفُ الانقِسامَ. وإلى جانِبِ ذلِكَ، يَدرُسُ آلافُ الطُّلّابِ السُّودانيِّينَ في الجامِعاتِ المِصريَّةِ، بَينَما تَحظَى الأُغنِيَةُ والدِّراما المِصريَّةُ بِجُمهورٍ واسِعٍ في السُّودانِ، والعَكسُ صَحيحٌ، مِمَّا يَجعَلُ الثَّقافةَ والتَّعليمَ عامِلَينِ مُهِمَّينِ في تَوطيدِ العَلاقاتِ.
اقتِصادٌ يَنتَظِرُ انطِلاقةً حَقيقيَّةً
اقتِصاديًّا، تُعَدُّ مِصرُ أَحدَ أبرَزِ الشُّركاءِ التِّجاريِّينَ لِلسُّودانِ، والتَّبادُلُ التِّجاريُّ بَينَهُما يَشمَلُ الزِّراعةَ والمُنتَجاتِ الحَيوانيَّةَ والصِّناعيَّةَ. كما أَنَّ مَشروعاتِ الرَّبطِ الكَهرَبائيِّ والسِّككِ الحَديديَّةِ بَينَ البَلدَينِ تَحمِلُ وُعودًا كَبيرةً لِمُستَقبَلٍ أَفضَلَ.
في المُقابِلِ، يَتَطلَّبُ الأَمرُ مَزيدًا مِن التَّسهيلاتِ الجُمرُكيَّةِ والمَاليَّةِ، مَعَ تَشجيعِ الاستِثماراتِ المِصريَّةِ في الأَراضي الزِّراعيَّةِ والصِّناعاتِ السُّودانيَّةِ، وكذلك دَعمِ الاستِثماراتِ السُّودانيَّةِ المُتنامِيَةِ داخِلَ مِصرَ.
خُطواتٌ عاجِلةٌ
ولِكَي يَتَحوَّلَ الحَديثُ عَنِ المَصيرِ المُشترَكِ إلى واقِعٍ مَلموسٍ، هُناكَ جُملةٌ مِنَ الخُطواتِ العاجِلةِ:
الإِسراعُ في تَنفيذِ مَشروعِ قِطارِ وادي النِّيلِ.
تَسهيلاتٌ أَكبَرُ لِمُواطِنيِ البَلدَينِ في التَّأشيراتِ والإقامَةِ.
تَطويرُ تِجارةِ الحُدودِ والجُمارِكِ.
دَعمُ الاستِثماراتِ الزِّراعيَّةِ والصِّناعيَّةِ المُشترَكةِ.
إِنشاءُ غُرفَةٍ تِجاريَّةٍ مُشترَكةٍ تَضعُ خُطَطًا طَويلَةَ المَدى لِلتَّكامُلِ الاقتِصاديِّ.
خِتامًا
إنَّ العَلاقةَ بَينَ مِصرَ والسُّودانِ لَيسَت خِيارًا سِياسيًّا ظَرفيًّا، بَل هِيَ قَدَرٌ تاريخيٌّ ومَصيرٌ مُشترَكٌ. وإذا ما تَحَرَّكَ البَلدانِ بِخُطى أَسرَعَ نَحوَ التَّكامُلِ، فإنَّ وادي النِّيلِ يُمكِنُ أن يُصبِحَ نَموذَجًا لِلوَحدةِ العَرَبيَّةِ والأَفريقيَّةِ، ومَركَزًا لِلاستِقرارِ والتَّنمِيَةِ في المِنطَقةِ بأَسرِها.




