راي

م. نادر ذكي الشريف يكتب .. الأوطان لا تُبنى بالأماني ــ بعانخي برس

بعانخي برس

 

 

الأوطان لا تُبنى بالأماني،
ولا تُرمَّم بالشعارات،
ولا تُدار بالخطابات الملساء،
ولا تُحمى بالتصفيق.
الأماني، مهما كانت صادقة، تظلّ حالة شعورية،
أما الوطن فهو كيان حيّ
يحتاج إلى عقلٍ يُخطّط،
ويدٍ تعمل،
وضميرٍ لا يساوم.
مشكلتنا ليست في قلّة المحبّين للأوطان،
بل في كثرة المنتظرين.
ننتظر المخلّص،
وننتظر الظرف المناسب،
وننتظر أن يتغيّر كل شيء
دون أن نغيّر نحن ما بأنفسنا.
أين الخلل؟
الخلل يبدأ حين نخلط بين الوطن كفكرة
والوطن كمسؤولية.
نحب الوطن في الأغاني،
ونخذله في التفاصيل اليومية:
في العمل المؤجَّل،
في الكذب الصغير،
في اللامبالاة،
وفي تبرير الخطأ لأنه “ليس من شأني”.
الوطن لا ينهار دفعةً واحدة،
بل يتآكل بصمت،
حين تتحوّل الأخطاء الصغيرة إلى عادة،
وحين يصبح الفشل مقبولًا،
ويُعاد تقديمه كحكمة أو “ظرف استثنائي”.
من يتحمّل المسؤولية؟
لا أحد بريئًا في خراب وطن.
المسؤولية تتفاوت،
لكنها لا تسقط عن أحد.
سلطة بلا محاسبة
تتحوّل من أداة إدارة إلى عبء.
ومعارضة تكتفي بالضجيج
ولا تقدّم بديلًا
ليست حلًا، بل جزء من الأزمة.
ونخبة صامتة
تعرف الحقيقة وتخشى قولها
شريك صريح في الانحدار.
حين يُطلب من المواطن
الصبر بلا أفق،
والتضحية بلا مقابل،
والوطنية بلا كرامة،
فنحن لا نبني وطنًا…
بل نُدير أزمة مفتوحة.
ما الحلول؟
الحلول ليست سحرًا،
لكنها واضحة لمن أراد أن يرى:
أولًا: دولة قانون لا دولة أفراد
لا قداسة لمنصب،
ولا حصانة للفشل.
القانون إمّا أن يكون سيّد الجميع
أو يتحوّل إلى ديكور
يُجمّل سلطة متغوّلة.
ثانيًا: بناء الإنسان قبل البنيان
لا وطن قويّ دون إنسان واعٍ.
تعليم يُعلّم التفكير لا الطاعة،
وتربية تصنع مواطنًا
يعرف حقه
ويؤدي واجبه
دون خوف أو تزلف.
ثالثًا: العدالة قبل الرفاه
لا تطلب من الجائع وطنية،
ولا من المظلوم صبرًا أبديًا.
العدالة ليست ترفًا أخلاقيًا،
بل شرط بقاء.
حين يشعر المواطن أن القانون يحميه
لا يطأه،
يدافع عن الوطن
كما يدافع عن نفسه.
رابعًا: العمل قيمة لا عقوبة
حين يصبح العمل مجرّد وسيلة للنجاة،
ينهار الإتقان.
كل تقصير صغير
هو شرخ في جدار الوطن،
من العامل البسيط
إلى صاحب القرار.
خامسًا: محاسبة حقيقية لا لجان امتصاص
اللجان التي لا تُحاسِب
ليست حلولًا،
بل وسائل لتبريد الغضب.
الشفافية ليست بيانًا،
بل كشفًا كاملًا للحقيقة
وتحمّلًا صريحًا للنتائج.
سادسًا: إعلام يكشف لا يلمّع
الإعلام الذي يبرّر الفشل
أخطر من الفشل نفسه.
الوطن لا يحتاج أبواقًا،
بل مرايا صادقة
حتى لو كانت قاسية.
سابعًا: مشاركة لا فرجة
الوطن ليس مسرحًا
ونحن جمهور.
الصمت الطويل
شراكة في الخطأ.
ومن أراد وطنًا يستحق العيش فيه
فليبدأ بنفسه،
قولًا،
وفعلًا،
واستمرارًا
حتى عندما يتعب القلب.
الخلاصة
الأوطان لا تُبنى بالأماني،
لكن الأماني قد تكون البداية
إذا تحوّلت إلى وعي،
ثم إلى خطة،
ثم إلى عمل،
وحرسها ضمير.
الوطن ليس أرضًا نموت من أجلها فقط،
بل حياةً
نُحسن عيشها
كي تستحق أن تُورَّث.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى