راي

مهند المقبول يكتب .. *الرصيد الإضافي والكود السري للتواصل الاجتماعي*  ــ بعانخي برس

بعانخي برس

 

 

 

في زمن مضى، كان للتواصل الاجتماعي طعم مختلف، ودفء لا يضاهى. كان الجار يشعر بجاره، قبل أن يشتكي، وكان الطفل يجد في بيت الجيران امتدادا لبيته. لم يكن الناس بحاجة إلى حجز مواعيد أو إرسال رسائل مسبقة… كان النفاج كافيا!
النفاج، ذلك الباب الصغير الذي يربط بين بيتين، لم يكن مجرد فتحة في الجدار، بل كان رمزا للتواصل الحقيقي، وروحا تسري في تفاصيل الحياة اليومية. من خلاله تتنقل الصحون، والحكايات، والدعوات، والضحكات. النساء يتبادلن الطيب من الطعام، والأطفال يمرون منه كما تمر الأحلام، دون تكلف أو توجس.
لكن، ومع مرور الزمن، لم تتغير فقط الأبواب، بل تغيرت النفوس أيضا. انحسر مفهوم الجيرة الحقيقية، وتراجعت مساحة القرب بين الناس، ليحل مكانها تواصل إلكتروني بلا حرارة، ومشاعر افتراضية لا تصمد أمام اختبار الواقع.
أصبح الواتساب هو النفاج، وأصبح الماسنجر والتيك توك هم الجيران. وغابت الأصالة، وحضرت البدائل. صرنا نعرف أخبار بعضنا من “الستوريات”، ونكتفي بإيموجي بدل السؤال الصادق. حتى “كيفك؟” أصبحت ثقيلة في زمن السرعة والسطحية.
لكن، في عمق هذا التغير، تبرز حقيقة صادمة: ليس استهداف السودان في أرضه وثرواته وحدها، بل في عاداته الأصيلة، وفي نسيجه الاجتماعي الذي كان فريدا ومتفردا.
ما يحدث اليوم هو خصم من رصيدنا الاجتماعي، وتاكل في الكود السري الذي يربطنا ببعضنا كبشر: الرحم، الجيرة، اللمة، والمودة.
ختاما، لا نملك إلا أن نرفع الصوت في زمن الضجيج ونقول:
“عودوا إلى عاداتكم، ومعتقداتكم… يرحمكم الله.”
فما نحتاجه ليس فقط الإنترنت السريع، بل القلوب السريعة إلى الخير. ليس فقط شبكات تواصل اجتماعي، بل مجتمع متواصل فعليا.
وذلك هو الرصيد الحقيقي… والكود السري الذي لا يجب أن ينسى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى