راي

شيء للوطن ــ م.صلاح غريبة Ghariba2013@gmail.com ــ من الشتات إلى الإعمار: خارطة طريق “النهضة الناشئة” في سودان المستقبل ــ بعانخي برس

بعانخي برس

 

 

 

تخبو أصوات المدافع عاجلاً أم آجلاً، لكن ضجيج البناء هو الذي يجب أن يملأ الأفق. إن معركة “إعادة الإعمار” في السودان لن تُكسب فقط بآليات الحفر التقليدية، بل بعقول فتية قادرة على تحويل الركام إلى فرص، واليأس إلى اقتصاد رقمي ومستدام.
بينما نراقب من دول الجوار -وخاصة من مصر التي احتضنت مئات الآلاف من السودانيين- نرى كيف تتحرك المنطقة من حولنا نحو “مواثيق” اقتصادية ذكية تدعم الشركات الناشئة وتضخ المليارات لتمكين المبتكرين. هذا المشهد يضعنا أمام سؤال استحقاقي: كيف يستعد السودانيون في الخارج، وخاصة الشباب، للعودة بمفاتيح العصر الجديد؟
إن أولويات المرحلة القادمة تتطلب ما يتجاوز “الشهادات الأكاديمية” التقليدية. نحن بحاجة إلى ثورة في التدريب المكثف والتحويلي. إن المهندس الذي غادر السودان قبل الحرب، قد يحتاج اليوم للتحول نحو حلول الطاقة البديلة أو الزراعة الذكية. والمحاسب الذي يعيش في القاهرة، عليه أن يتقن أدوات “التكنولوجيا المالية” ليكون جزءاً من منظومة اقتصادية ستُبنى على أنقاض النظام الورقي القديم.
“التدريب التحويلي ليس ترفاً، بل هو إعادة تأهيل شاملة للكوادر السودانية لتتناسب مع احتياجات بلد يحتاج لإعادة اختراع نفسه من الصفر.”
لقد أثبتت التجارب الإقليمية الحديثة أن الشركات الناشئة (Startups) هي الأسرع في خلق فرص العمل (تصل إلى مئات الآلاف في بضع سنوات) والأكثر مرونة في مواجهة الأزمات. السودان، بموارده البكر وموقعه الاستراتيجي، يمثل أرضاً خصبة لابتكارات AgriTech (التكنولوجيا الزراعية): لضمان الأمن الغذائي المفقود، DeepTech (التكنولوجيا العميقة) لحل معضلات البنية التحتية والاتصالات، EdTech (تكنولوجيا التعليم) لتعويض سنوات الضياع الدراسي للأجيال الصاعدة.
يا شبابنا في الخارج، إن وجودكم في مراكز إقليمية متطورة مثل مصر يمنحكم ميزة تنافسية ذهبية. أنتم تشهدون اليوم إطلاق مواثيق للشركات الناشئة، ومبادرات لتمويل المبتكرين بمليارات الدولارات، وتسهيلات تشريعية ورقمية غير مسبوقة.
الرسالة واضحة: لا تكتفوا بالمشاهدة، بل استوعبوا هذه النماذج، اكتسبوا المهارات التقنية، تعلموا كيف تُدار الحاضنات ومسرعات الأعمال، وابنوا التشبيكات: كوّنوا فرق عمل عابرة للحدود من الآن، والابتكار كبديل للتوظيف، فكروا في تأسيس نماذج أعمال مرنة يمكن نقلها للسودان فور استتباب الأمن.
نحن بحاجة إلى رؤية وطنية تضع “تعريفاً موحداً” للشركات الناشئة السودانية، وتفصل بينها وبين المشروعات الصغيرة التقليدية. رؤية تضمن حوافز ضريبية، وتسهيلات رقمية (Single Point of Contact)، ومبادرات تمويلية جريئة تمنع “هجرة العقول” وتحولها إلى “هجرة عائدة” محملة بالخبرات.
إن إعادة إعمار السودان لن تكون مجرد رصف للطرق، بل هي بناء “اقتصاد معرفة” يقوده الشباب. لنبدأ من الآن في التدريب، وفي تحويل أفكارنا إلى شركات، وفي الاستعداد ليوم نضع فيه لبنة السودان الجديد بأيدينا وعقولنا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى