راي

شيء للوطن ــ م.صلاح غريبة Ghariba2013@gmail.com ــ ذاكرة النيل: ترميم القصر واستعادة “البورصة التاريخية” ــ بعانخي برس

بعانخي برس

 

 

 

 

من قلب الركام، ومن بين ثنايا الدمار الذي خلفته الحرب، تلوح اليوم بارقة أمل لترميم الهوية السودانية التي حاول “الجهل” طمسها. إن إعلان مؤسسة بريطانية كبرى رغبتها في صيانة “القصر القديم” ومتحفه وسياراته التاريخية، استجابةً للمناشدة الذكية التي أطلقها وزير الثقافة والإعلام خالد الإعيسر عبر منصات الإعلام الدولي، ليست مجرد “صفقة ترميم”، بل هي معركة لاسترداد الذاكرة الوطنية من براثن النسيان.

هذا المكان ليس مجرد جدران؛ إنه سجل السودان الحي. بدأ الحكاية كـ “قصر غردون” الذي شُيّد في العام 1832م، وشهد أحداثاً جساماً كان أبرزها مقتل الجنرال تشارلز غردون على درجات سلالمه في لحظة تاريخية فارقة عام 1885م إبان الثورة المهدية.

بعد استعادة الخرطوم، أُعيد بناء القصر بشكله الحالي في العام 1899م ليصبح مقراً للحاكم العام، ومن ثم تحول مع بزوغ فجر الاستقلال إلى “القصر الجمهوري”، رمز السيادة الوطنية. وفي عهد لاحق، عُرف بـ “قصر الشعب”، ليظل على مر العصور القبلة التي تُتخذ فيها القرارات المصيرية، والمستودع الذي يضم سيارات الرؤساء ومقتنيات الحكم التي تؤرخ لنهضة الدولة السودانية.

إن تفاعل مؤسسة “منتدى التراث في الكومنولث” برئاسة فيليب ديفيز، مدفوعاً بالتحقيق الاستقصائي الذي نشره كريغ سيمبسون في صحيفة “ذا تلغراف”، يضعنا أمام فرصة ذهبية. التمويل المرتبط باليوبيل البلاتيني للملكة إليزابيث الثانية، والرغبة في تدريب الكوادر السودانية، يعني أننا لن نرمم الحجر فحسب، بل سنبني القدرات التي تحمي هذا الإرث مستقبلاً.

ومع هذه النهضة المرتقبة، لا بد من طرح رؤية شاملة لاستكمال المشهد الجمالي والتاريخي لمنطقة القصر. وهنا، نقترح خطوة جريئة ومستحقة: نقل الباخرة “ملك” من موقعها الحالي المنزوي داخل نادي الزوارق، لتستقر شامخةً في النيل أمام القصر الجمهوري مباشرة.

الباخرة “ملك” ليست مجرد قطعة حديد، بل هي شاهدة على حقبة تاريخية مهمة، وارتباطها بالقصر والمتحف ارتباط عضوي. ولتكتمل الصورة، نناشد السلطات بضرورة إعادة مقتنيات الباخرة التاريخية المودعة حالياً في المتحف الحربي إلى داخل الباخرة نفسها بعد تأهيلها، لتتحول إلى “متحف عائم” يكمل عقد المتحف الرئاسي المقابل لشارع القصر.

إن ترميم القصر القديم وسياراته التاريخية هو رسالة للعالم بأن السودان عصيٌ على المحو. إننا لا نرمم مباني، بل نُعيد ترتيب “البيت الكبير” ليكون منارة للأجيال القادمة. شكراً للإعلام الذي قرع الأجراس، وشكراً لكل يد تمتد لانتشال تاريخنا من الرماد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى