راي

شيء للوطن ــ م.صلاح غريبة Ghariba2013@gmail.com ــ السودان في “قلب” القاهرة.. هل ترسم “الدردشة الثقيلة” مع واشنطن ملامح الخلاص؟ ــ بعانخي برس

بعانخي برس

 

 

 

بينما كانت نيران الحرب تلتهم الأخضر واليابس في بلادي، وتستنزف إرث أجيالنا، كانت “القاهرة” -كعادتها في الملمات- تتحرك كمركز ثقل إقليمي لا غنى عنه. لكن التحرك هذه المرة لم يقتصر على الصالونات الدبلوماسية التقليدية، بل وصل إلى عمق صناعة القرار العالمي في “دردشة ثقيلة” احتضنها قصر الاتحادية بين الرئيس المصري و”مسعد بولس”، مبعوث الرئيس الأمريكي المنتخب دونالد ترامب.
كمراقب سوداني، لا يمكنني قراءة هذا اللقاء بمعزل عن الحراك الدولي الموسع الذي استضافته القاهرة مؤخراً، والذي ضم “الآلية التشاورية” وقوى عظمى وإقليمية. نحن أمام مشهد جديد تتبلور فيه ملامح “خريطة طريق” حاسمة، تضع حداً للعبث بمصير السودان.
لقد جاءت رسائل الدولة المصرية، سواء عبر لسان رئيسها أو وزير خارجيتها، قاطعة وحاسمة. فالسودان بالنسبة لمصر ليس مجرد “ملف خارجي”، بل هو “أمن قومي وعضوي”. هذه النبرة التي سمعناها مؤخراً، والتي حذرت من أن القاهرة “لن تقف مكتوفة الأيدي” أمام انهيار الدولة السودانية، هي الضمانة التي يحتاجها الشعب السوداني اليوم.
إن تأكيد مصر على رفض “الكيانات الموازية” أو محاولات تشكيل حكومات خارج إطار المؤسسات الشرعية، يقطع الطريق أمام المخططات التي تسعى لتقسيم السودان أو “ليبنة” الأزمة. إنها رسالة واضحة لكل من يحاول فرض إرادته على السودانيين: “سيادة السودان خط أحمر”.
ما يبعث على الطمأنينة هو هذا التناغم الكبير بين القاهرة والرياض. فالموقف السعودي الذي عبر عنه نائب وزير الخارجية، بضرورة الالتزام بـ “إعلان جدة” ورفض التدخلات الخارجية التي تغذي الصراع بالسلاح والمقاتلين الأجانب، يلتقي تماماً مع الرؤية المصرية. هذا المحور (القاهرة-الرياض) يمثل اليوم حائط الصد المنيع الذي يحمي الدولة الوطنية السودانية من التفكك، ويصر على أن الحل يجب أن يكون “سودانياً-سودانياً” بامتياز.
اللافت في لقاء الاتحادية الأخير هو حضور الملف السوداني بقوة على طاولة النقاش مع ممثل ترامب. فالمستشار الأمريكي غادر القاهرة وهو يدرك يقيناً أن “رُمانة الميزان” في المنطقة هي مصر، وأن أي حديث عن استقرار القرن الأفريقي أو البحر الأحمر يبدأ من “تأمين السودان”.
لقد نجحت الدبلوماسية المصرية في ربط الملفات ببعضها؛ فلا استقرار إقليمي بدون سودان موحد، ولا تعاون اقتصادي أمريكي-مصري (كالمنتدى المزمع عقده في 2026) يمكن أن يزدهر في بيئة تحيط بها الحروب والاضطرابات المائية والسياسية.
إننا في السودان لا نبحث عن مجرد “هدنة مؤقتة” تمنح الأطراف التقاط الأنفاس، بل نبحث عما طرحته القاهرة: هدنة إنسانية عاجلة، تتبعها عملية سياسية شاملة تحافظ على مؤسسات الدولة وتمنع الانهيار.
العالم اليوم، بقيادة القوى العظمى التي اجتمعت في القاهرة، أمام اختبار حقيقي للوفاء بتعهداته الإنسانية. والرسالة التي وصلت من “الاتحادية” إلى “مارالاجو” واضحة: السودان لن ينهار، ومصر لن تسمح بذلك، وعلى الإدارة الأمريكية القادمة أن تدرك أن الشراكة مع مصر هي الطريق الأقصر لإنهاء نزيف الدماء في قلب أفريقيا.
نحن كسودانيين، نرى في هذا الحراك “ضوءاً في نهاية النفق”، شريطة أن تترجم هذه “الدردشات الثقيلة” إلى ضغوط حقيقية توقف تدفق السلاح لمليشيا الدعم السريع، وتلزمه بطاولة المفاوضات تحت مظلة وحدة السودان وسلامة أراضيه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى