راي

شيء للوطن ــ م.صلاح غريبة Ghariba2013@gmail.com ــ الأبيض : إرادة صامدة لا تكسرها المسيرات ــ بعانخي برس

بعانخي برس

 

 

 

في مشهدٍ يتجاوز حدود الأعراف العسكرية والأخلاق الإنسانية، تشنّ المليشيات المتمردة حملة مسعورة وممنهجة تستهدف تحويل مدينة “الأبيض” إلى بقعة غير قابلة للحياة. لم تعد المواجهة في “عروس الرمال” مجرد معارك ميدانية بين جيش ومتمردين، بل تحولت إلى استراتيجية “أرض محروقة” تشنها المليشيا ضد المدنيين العزل، مستهدفةً “عصب الحياة” ومرافقها الحيوية في محاولة بائسة لتعويض انكساراتها العسكرية المتلاحقة.

إن ما تشهده مدينة الأبيض استهداف الأعيان المدنية بقصف مباشر عبر الطائرات المسيرة الانتحارية لمركز علاج الأورام، والمستشفى البريطاني، ومركز الإمداد الدوائي، ليس مجرد “أخطاء عسكرية”، بل هو جريمة حرب مكتملة الأركان. إن استهداف مرضى السرطان في مراكز علاجهم هو ذروة الإفلاس والسقوط الأخلاقي ويدل على رغبة دفينة في الانتقام من الحاضنة الشعبية التي أعلنت انحيازها التام لمؤسسات الدولة.

ولم يتوقف الإرهاب عند القطاع الصحي، بل امتد ليشمل المؤسسات التعليمية باستهداف جامعة كردفان وقاعاتها التاريخية للمرة الثانية، واستهداف البنية التحتية بتدمير المحول الرئيسي لمحطة الكهرباء لإغراق المدينة في ظلام شامل وشل المرافق الخدمية، واستهداف الاقتصاد المحلي بقصف المنطقة الصناعية ومخازن الزيوت والمحال التجارية لضرب معاش الناس وتخريب الاقتصاد.

تحلل القراءة الاستراتيجية لهذا التصعيد أن المليشيا، بعد فشلها في اختراق دفاعات المدينة وصمود “أسود الهجانة” والقوات المساندة لها، لجأت إلى ما يمكن تسميته بـ “الإرهاب الخدمي الشامل”. تهدف هذه السياسة إلى الابتزاز الإنساني عبر قطع الكهرباء وتعطيل المستشفيات للضغط على المواطنين بالتهجير القسري لتصوير المدينة منطقة غير آمنة لدفع السكان للنزوح، والتغطية على الهزائم بمحاولة خلق نصر زائف عبر تدمير المنشآت المدنية بعد العجز عن المواجهة الميدانية.

رغم حجم الدمار “الجسيم” الذي طال المحولات الكهربائية والمرافق التعليمية، إلا أن الرد من داخل الأبيض جاء حاسماً ومزلزلاً. فبينما كانت المسيرات تسقط حممها، كانت الفرق الهندسية تعمل تحت النار لإيجاد بدائل فنية لإعادة التيار الكهربائي، وكان مجلس جامعة كردفان يعلن بصلابة: “لا تأجيل للدراسة، والبدء الفوري في إعادة الإعمار”.

هذا التلاحم بين الأجهزة التنفيذية، الفرق الفنية، والمواطنين الصامدين، يرسل رسالة واضحة للمتمردين وللمجتمع الدولي: إن “عروس الرمال” لن تسقط في فخ الظلام، وأن سياسة العقاب الجماعي لن تزيد أهل كردفان إلا تمسكاً بأرضهم ودعماً لقواتهم المسلحة.

الخلاصة: إن استهداف المستشفيات والكهرباء والجامعات هو شهادة وفاة سياسية وأخلاقية المشروع التخريبي للمليشيات، وهو يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية تاريخية لتصنيف هذه الانتهاكات كجرائم ضد الإنسانية. ستبقى “الأبيض” صامدة شامخة عصية، وسيعاد بناء ما دمره الإرهاب بسواعد أبنائها الذين اختاروا البقاء والانتصار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى