راي

شيء للوطن ــ م.صلاح غريبة Ghariba2013@gmail.com ــ اغتيال “الرئة”.. حين تفقد الخرطوم هويتها الخضراء ــ بعانخي برس

بعانخي برس

 

 

 

بينما تنشغل الأخبار برصد دوي المدافع وتحركات الجبهات، كانت هناك حرب صامتة تُشن ضد “قلب الخرطوم الأخضر”. المشاهد الصادمة القادمة من “غابة السنط” ليست مجرد صور لأشجار مقطوعة، بل هي شهادة وفاة لنظام بيئي وتاريخي تشكّل عبر قرن من الزمان، وإعلان صريح عن دخول العاصمة السودانية مرحلة “الاختناق البيئي” بعد أن فقدت رئتها الوحيدة.
لم تكن غابة السنط مجرد مساحة خضراء للنزهة، بل كانت محمية طبيعية فريدة صمدت منذ عام 1939، واكتسبت قيمتها من موقعها الاستثنائي عند ملتقى النيلين. هذه الغابة التي استوفت معايير “اليونسكو” العالمية، كانت تمثل نموذجاً نادراً للغابات الحضرية الرطبة التي تقاوم الفيضانات وتمنح المدينة توازناً حرارياً ومناخياً لا يُقدر بثمن. اليوم، تحولت هذه المساحة التي تبلغ 1500 هكتار إلى أرض عارية، في جريمة بيئية تُصنف كـ “إبادة للطبيعة” (Ecocide).
إن الدمار الذي لحق بغابة السنط يتجاوز فقدان الغطاء الشجري؛ فهو انهيار كامل لسلسلة حيوية. فالغابة كانت “محطة ترانزيت” عالمية للطيور المهاجرة من ثلاث قارات، وملاذاً آمناً لأنواع نادرة من الحياة البرية. بقطع هذه الأشجار، نحن لا نفقد الخشب فحسب، بل نطرد آلاف الكائنات ونمزق مساراً بيولوجياً عالمياً، مما يجعل استعادة هذا التوازن أمراً يحتاج إلى عقود من العمل، هذا إن توفرت الإرادة والظروف المواتية.
لقد كانت الغابة مؤسسة علمية بامتياز؛ ففيها تأسست مدرسة خبراء الغابات عام 1946، ومنها تخرج الرعيل الذي شجر السودان. تحويل هذه الحاضنة العلمية والتاريخية إلى حطب للتدفئة أو تجارة بائسة هو انعكاس مرير لمدى تآكل الوعي بأهمية الأصول البيئية في أوقات الأزمات. إن خسارة الغابة تعني تسارعاً مخيفاً في معدلات التصحر، وزيادة في تلوث الهواء، وارتفاعاً حاداً في درجات الحرارة داخل مدينة أصبحت “مكشوفة” تماماً أمام تقلبات المناخ.
إن ما حدث لغابة السنط هو تذكير صارخ بأن الحروب لا تقتل البشر فحسب، بل تغتال مستقبل الأجيال عبر تدمير بيئتهم. الصمت الدولي والمحلي تجاه هذا “القطع الجائر” هو اشتراك في الجريمة. الخرطوم اليوم بلا رئة، والمشاهد الصامتة للأرض اليابسة هي صرخة استغاثة لما تبقى من مواردنا الطبيعية.
إن استعادة غابة السنط يجب أن تكون على رأس أجندة إعادة الإعمار، ليس كرفاهية جمالية، بل كضرورة وجودية لبقاء المدينة صالحة للحياة. فبدون خضرتها، ستبقى الخرطوم مدينة “تختنق” حتى بعد صمت المدافع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى