
*شاهيناز القرشي*
أعتقد أن إيران تُجرّ لِمهاجمة إسرائيل أولًا، وأرى أن إيران قد تستجيب وفق مبدأ «هدم المعبد».
قبل عدة أيام، ظهر فيديو لرئيس وزراء إسرائيل السابق نفتالي بينيت، وهو يقلب ساعة رملية عقب خروجه من اجتماع تنويري دعا إليه نتنياهو، وشارك فيه عسكريون وسياسيون، لتنويرهم بنتائج الاجتماع مع ترامب بشأن الهجوم على إيران. وبالتأكيد، فُسِّر هذا الفيديو على أنه إشارة إلى «ساعة الصفر» التي سيتم فيها الهجوم على إيران. وبعدها توالت التصريحات الاستفزازية من ترامب، فيما قال نتنياهو: «أرجو أن لا تتسرع إيران وتفسر الإشارات بشكل خاطئ وتقوم بمهاجمة إسرائيل».
السؤال الذي سيطر على تفكيري: لماذا كل هذه الفرقعات؟ ولماذا يتم إنذار إيران قبل الهجوم؟ ولماذا يلفت نتنياهو نظرها إلى أنها قد تهاجم أولًا، ويخاطبها بلغة العاقل المتخوف من الهجوم؟
الإجابة، بالنسبة لي، أن المطلوب من إيران أن تهاجم إسرائيل، لرفع الحرج عنهم في مسألة المبادرة، وهو الحرج الذي جعل الكثير من الدول تتحفظ على مساندة إسرائيل، وسحب منها حجة «الدفاع عن النفس»، ووضع إسرائيل وأمريكا في موقف حرج نسبيًا. وإذا لم يستجب النظام الإيراني، الذي يشعر بتهديد شديد من الداخل، فستُجبِر أمريكا وإسرائيل نفسيهما على اختلاق الحجج والذهاب إلى الهجوم مهما كانت التحفظات والإحراجات، فهذه أمور ثانوية بالنسبة لهم مقارنة بالأهداف الرئيسية.
وبالنسبة لي، تتمثل هذه الأهداف في صناعة واقع عالمي جديد، ربما نشاهد فيه تحالف الأعداء واجتماع الفرقاء ضمن «ناتو» مختلف. فدول الناتو الحالي تشكلت عقب الحرب العالمية الثانية، وكانت تضم أقوى دول العالم والمنتصرين في الحرب، لكن الآن تضعضعت بعض هذه الدول، ومن المتوقع لها مزيد من التراجع، في مقابل بروز دول أخرى احتلت مواقع متقدمة اقتصاديًا وعسكريًا وتكنولوجيًا. وفي عالم المصالح، لا يوجد مبرر للتمسك بالضعفاء ومعاداة الأقوياء.
إذن، هي حرب لتغيير اللاعبين على الطاولة. وبالنسبة لأمريكا وإسرائيل، يهمهما إدخال إسرائيل كدولة وشريك معترف به في جميع الاتفاقات العالمية القادمة، بعد الحروب التي ستشتعل في عدة مناطق مؤثرة. هذه الحروب الحتمية سيعقبها استقرار طويل، ربما يمتد لقرن كامل، كما حدث بعد الحرب العالمية الثانية. فالعالم يحتاج إلى اتفاقيات جديدة، واعترافات جديدة، وتحالفات جديدة تساند النظام العالمي الجديد.
في هذه الحروب، يجب أن تكون حدودك آمنة وداعمة، وإلا ستكون من الخاسرين، ومن الذين «سيجري عليهم القلم». هذه الحروب العالمية المرتقبة قد تسقط فيها دول أوروبية كانت تُعد من سادة العالم، بسبب حدودها غير الآمنة واقتصاداتها المتكلسة التي تواجه انتكاسات متكررة.
من هذا المنطلق، هاجمت أمريكا فنزويلا. يظن البعض أن الهدف الأوحد هو النفط والثروات، بينما يعد هذا هدفًا ضعيفًا إذا ما قورن بالخطر الذي تستشعره أمريكا نتيجة عمل إيران على البنية التحتية العسكرية الفنزويلية، وتمليكها تقنيات عسكرية مدعومة بالمال الصيني. فقد أصبحت فنزويلا تمتلك التكنولوجيا الإيرانية لصناعة المسيّرات، وتستورد القطع الرئيسية لدمجها في هياكل تُصنع محليًا، كما طورت المسيّرات الإيرانية مثل «مهاجر 6» — على سبيل المثال لا الحصر — لتصبح أكثر قدرة على الهجوم والمناورة والتحليق.
وآخر اتفاق بين إيران وفنزويلا في أواخر عام 2025 كان حول تمليك فنزويلا صواريخ فرط صوتية متوسطة المدى، مشابهة لتلك التي يستخدمها الحوثيون لضرب إسرائيل. هذه الصواريخ قادرة على استهداف قناة بنما، ذات الأهمية البالغة للتحركات العسكرية والتجارية الأمريكية. وإذا تطور الوضع إلى امتلاك صواريخ بالستية طويلة المدى، فقد تطال المدن الأمريكية نفسها. وهذا تهديد تعمل عليه إيران والصين، وقد دفعت الصين عشرات المليارات من الدولارات لتطوير القدرات العسكرية الفنزويلية. وإذا اكتمل هذا المشروع، لأصبحت فنزويلا منصة إطلاق فاعلة لتهديد العمق الأمريكي.
وبالمناسبة، تُعد الجغرافيا الأمريكية، التي تشبه القارة مع جوار مسالم أو ضعيف، خط الدفاع الأول للولايات المتحدة، ولن تسمح أمريكا بخلخلة هذا الخط. ما تفعله أمريكا الآن هو تأمين حدودها تحسبًا لمهاجمة إيران ولكل الاضطرابات القادمة. فكما أسلفت، كلما قللت الاضطرابات على حدودك، زادت فرص نجاتك واحتلالك موقعًا في النظام العالمي الجديد.
وما يحدث في اليمن هو محاولة لخلخلة حدود السعودية بشكل خاص، والخليج عمومًا. ولا بد أن تتحرك الحدود الصينية وبعض الدول الأوروبية قريبًا. وإذا تحركت الصين ضد تايوان بالتزامن مع الحرب ضد إيران، فمن المرجح أن أمريكا لن تدافع عن تايوان كما هو متوقع. فالصين، التي فقدت الكثير مما استثمرته في فنزويلا، لا بد لها من تعويض هذه الخسائر، ولا يوجد مرهم لهذا الجرح أفضل من السيطرة على تايوان.
ما أريد قوله: ستحدث هزات اختبارية قبل الهزة الرئيسية؛ بعضها عنيف كهزة السودان، وبعضها مثل حرب الهند وباكستان. وأي دولة تشهد انقسامات أو انفصالًا وتتحول إلى دويلات ضعيفة، متشاكسـة ومضطربة، فلتستعد للزوال من خريطة النظام العالمي الجديد. فإما أن تُقتسم بين الدول الناجية من حولها، أو تدخل تحت وصاية الدول الكبرى بشكل يشبه الاحتلال، وليس بالضرورة الدول الكبرى القديمة، بل تلك التي ستُحدَّد بعد الاتفاقيات الجديدة.
العالم يمر بنفق انتقالي شديد الوعورة، وآخر النفق ليس كأوله.





