راي

شئ للوطن ــ م.صلاح غريبة Ghariba2013@gmail.com ــ الفقر في السودان: صدمة الـ 71% بين نار الحرب وأمل التنمية ــ بعانخي برس

بعانخي برس

 

 

 

شكل المؤتمر التنويري الحادي والأربعون الذي استضافته وكالة السودان للأنباء (سونا) نقطة محورية لكشف حقائق صادمة حول الواقع المعيشي في السودان، في ظل استمرار الحرب وتبعاتها الكارثية. فقد أعلنت وزارة الموارد البشرية والرعاية الاجتماعية، على لسان وزيرها معتصم آدم صالح، عن ارتفاع غير مسبوق في نسبة الفقر، لتصل إلى 71%، بعد أن كانت لا تتجاوز 21%. هذا الرقم المهول يعني أن 23 مليون مواطن سوداني يعيشون اليوم تحت خط الفقر، وهو ما يضع صانعي القرار والمجتمع الدولي أمام تحدٍ إنساني واقتصادي ضخم.
لا يمكن فصل هذه القفزة المروعة في معدلات الفقر عن تداعيات الحرب المستعرة والأزمات الاقتصادية والسياسية التي تلتها. لقد دمر الصراع البنية التحتية، وشلّ الحركة الاقتصادية، وتسبب في موجات نزوح داخلي هائلة، ما أدى إلى تآكل سريع في مستويات المعيشة.
الوزير أكد أن هذه الأزمة ليست مجرد أرقام، بل هي واقع يمس حياة ثلثي الشعب، مما يتطلب جهوداً مشتركة على مستوى الحكومة والمجتمع المدني والإعلام لمواجهة هذه الكارثة والحد من آثارها المدمرة على المواطنين. الإشارة إلى ضرورة التعاون الثلاثي تبرز إدراك الحكومة لحجم المشكلة الذي يفوق قدرة أي جهة واحدة على معالجتها.
في مواجهة هذا الواقع المرير، كشف الوزير عن استراتيجية وزارة الموارد البشرية والرعاية الاجتماعية التي ترتكز على الانتقال من مرحلة الإغاثة الطارئة إلى مرحلة التنمية الاجتماعية المستدامة. هذا التحول الاستراتيجي يهدف إلى معالجة جذور الفقر وليس مجرد التخفيف من آثاره.
تتركز خطة الوزارة في محورين رئيسيين؛ برامج سبل كسب العيش والتمكين الاقتصادي من خلال تقديم تسهيلات في التمويل الأصغر وتشجيع المشروعات الصغيرة وريادة الأعمال. هذا التركيز على خلق فرص العمل بدلاً من الاعتماد على المساعدات يمثل نهجاً مستداماً للخروج من دائرة الفقر. كما أن الخطة تولي اهتماماً خاصاً بالشرائح الأكثر تضرراً: الشباب، والمرأة، والطفولة، والمعاشيين، وتعزيز شبكات الحماية الاجتماعية والخدمات والتي شملت الجهود تنفيذ مشاريع خدمية في عدة ولايات متضررة، بما في ذلك 9 مراكز صحية نموذجية واستفادة نحو 180 ألف مواطن من المخيمات والقوافل العلاجية. كما أن الوزارة تخطط لإدخال 300 ألف أسرة في التأمين الصحي وتوحيد السجل الاجتماعي لضمان عدالة وشفافية وصول الخدمات، ومن الملاحظ أن خطة العمل لعام 2026 تضع تمكين المرأة في صدارة الأولويات، إدراكاً لكونها الشريحة الأكثر تضرراً من النزاعات والأزمات الاقتصادية.
لم يغفل المؤتمر البعد الأمني والسياسي الذي يمثل العائق الأكبر أمام أي جهود تنموية. فقد وجه الوزير تحذيراً شديد اللهجة بشأن “الكارثة الإنسانية” في الفاشر وجرائم مليشيا الدعم السريع، مؤكداً على الموقف الحكومي الصارم لـ “تحقيق العدالة والقصاص للضحايا” ورفض أي دور مستقبلي للمتمردين في البلاد.
هذا الموقف يعكس إصرار الحكومة على الربط بين الاستقرار الأمني والعدالة وبين إمكانية تحقيق أي تنمية مستدامة. كما أن الإشارة إلى حاجة 50 ألف نازح من الفاشر والخوي للدعم الفوري تبرز حجم الأعباء الإنسانية المترتبة على استمرار الصراع. وفي خطوة عملية، قرر مجلس أمناء الزكاة تخصيص نسبة مهمة من فائضه للمدن المحاصرة، وعلى رأسها الفاشر، تأكيداً لدور المؤسسات الوطنية في الإغاثة.
اختتام المؤتمر بشعار “المواطن أولاً” يمثل التزاماً معلناً من الحكومة تجاه سكان البلاد. وقد أبرز المؤتمر الدور الحيوي الذي يلعبه الإعلاميون والفاعلون المدنيون، حيث أكد الوزير أن الإعلام التنويري له دور محوري في توعية المجتمع وتحفيز التغيير اللازم للتخفيف من وطأة الفقر.
في الختام، يكشف مؤتمر “سونا” عن أن السودان يقف عند مفترق طرق حرج. الرقم الصادم (71%) يمثل جرس إنذار عالمي، لكن خطط الوزارة للانتقال من الإغاثة إلى التمكين، والجهود المبذولة لتمويل المشاريع الصغيرة، ومحاولة توحيد شبكات الحماية الاجتماعية، كلها تمثل خيوط أمل يمكن أن تشكل بداية مسار التعافي، شرط أن يرافقه تحقيق الأمن والاستقرار وإرساء أسس العدالة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى