
كل أرجائه لنا وطن
في الأزمنة العصيبة تُختبر المعادن، ويظهر جوهر الشعوب. والسودان، رغم ما يمر به من محن، يثبت كل يوم أنه وطن لا تحده الجغرافيا، بل تسكنه القيم وتجمعه الأخلاق. فحيثما حلّ السوداني، وجد السودان حاضرًا فيه: سلوكًا، وكرمًا، ونبلاً.
يحدّثني أحد الأساتذة السعوديين في إحدى الجامعات، رجل عُرف بخلقه ودينه، فقال لي كلمات لا تُنسى: “لولا التزامي بضوابط العلم لقلت إن السودانيين جميعًا من أصل رجل واحد وامرأة واحدة، لما بينهم من تشابه في الأدب والاحترام والكرم.” كانت شهادة صادقة، لم تكن مجاملة عابرة، بل قراءة إنسانية عميقة لشعب تميّز بسجاياه. حينها شعرت باعتزاز يغمرني، لا لأنني سمعت مدحًا، بل لأنني رأيت صورة وطني كما يراها الآخرون.
أما أنا، فقد عشت هذه الحقيقة واقعًا لا قولًا. منذ لحظة نزوحنا من الخرطوم، مرورًا بقرى الجزيرة، وحتى وصولنا إلى ود مدني، لم نشعر لحظة أننا غرباء. كان أهل القرى يستقبلوننا بوجوه يملؤها الفرح، وكأنهم يقولون دون كلمات: بيوتنا بيوتكم، وزادنا زادكم. ولم يكن ذلك شعارًا، بل فعلًا حيًا؛ فقد فتحوا بيوتهم، وقاسمونا ما يملكون، واستوعبوا أعدادًا كبيرة من النازحين بروح الإخوة الصادقة.
وفي ود مدني، تلك المدينة التي تشبه الوطن الكبير، تلاشت كل الفوارق، واجتمعت كل قبائل السودان في لوحة إنسانية واحدة، لا تعرف فرزًا ولا تمييزًا. وحين امتدت الأزمة إلى ولاية الجزيرة، واشتد النزوح نحو جنوبها ثم إلى سنار، تكررت ذات المشاهد: استقبال حار، ماء بارد، طعام حاضر، وبيوت تُفتح بلا تردد، بل إن البعض نصب الخيام للطعام ولاستضافة من لا مأوى لهم. إنها ليست مواقف عابرة، بل ثقافة متجذرة في وجدان هذا الشعب.
وعندما اتجهنا نحو شرق السودان، وجدنا الكرم ذاته، والروح نفسها، وكأننا لم نغادر مكانًا إلى آخر، بل انتقلنا داخل بيت واحد واسع. وكذلك أهلنا في دارفور وكردفان، الذين نعرف يقينًا أنهم لو استقبلونا، لبذلوا الغالي والنفيس حبًا وكرامة، كما هي عادتهم .
في السودان، لا يُنظر إلى الضيف كغريب، بل كأهلٍ يستحقون كل تقدير. ورفض استقبال الضيف يُعد خروجًا عن قيم المجتمع، أما إكرامه فهو واجب متأصل، يكاد يبلغ حد القداسة في الوجدان الشعبي. وكل هذا تجسد في أشعارنا وغنانا … بل ثقافتنا تنشر عبق روائحه…
هكذا هو السودان: وطنٌ إذا ضاقت بك أرض، وسِعتك قلوب أهله. وطنٌ لا يُقاس بحدوده، بل بأخلاق ناسه. كل أرجائه لنا وطن… لأن الإنسان فيه هو الوطن.
دكتور ابوعبيدة محمد عثمان. محي الدين
اختصاصى علم النفس
مدنى 10/4/2026




