(خَمَّة نَفَس) ــ عبد الوهاب السنجك ــ قياداتٌ تقتل أبناءها.. مازن أحمد الشيخ بين جدران السجن وصراخ المرضى ــ بعانخي برس
بعانخي برس

الحصاحيصا مدينةٌ تموت في اليوم ألفَ مرةٍ ومرة، الدعم السريع المتمرد يضعها بين فكيه الملوّثين بدماء الأبرياء؛ عيونٌ تنظر إلى الجميع دون رحمة أو شفقة، والكل يعيش حالةً من الخوف.
الحصاحيصا مدينةٌ جمعت في حضنها كل القبائل السودانية، وعُرفت بسماحة أهلها ومروءة شبابها.
مازن أحمد الشيخ، ابن الحلة الجديدة، لم تجمعني به معرفةٌ سابقة، غير أنني أعرف الكثير عن أهله الذين لم ألتقِ بهم منذ سنواتٍ بعيدة.
الحلة الجديدة… الشارع الكبير…
مركزُ صحيّ الحي، الذي شُيّد في أواخر ستينيات القرن الماضي – إن لم تخنّي الذاكرة – يقف وحيدًا يصرخ طالبًا النجدة، بعد أن استباح المتمردون كل المستشفيات وسيطروا عليها.
مازن يسمع ذلك الصراخ، وقلبه يكاد يخرج من صدره، وعيناه تدمعان شفقةً عليهم. إحساس ضميره يناديه:
هيا أسرع لإنقاذ المرضى…
هيا يا مازن، لا تتوقف… اكسر جدار الصمت الرهيب.
نعم، إنهم هنا داخل المركز، بأسلحتهم ووجوههم البائسة الحاقدة.
غير أن المرضى ينادونك يا مازن:
الوجع والألم كادا أن يفتكا بنا…
ملاريا… حمى الضنك…
أسرع… أسرع… نريد الدواء والمسكن.
مازن يخطو بثبات، بعد أن طرد الخوف من قلبه. جمع من حوله بعض الأصدقاء، واخترق الحاجز بقوة بحثًا عن الدواء… وقد كان.
الأيادي ترتفع إلى الله تعالى دعاءً أن يحفظه من شرورهم.
البعض ينظر إليه ويقول:
الزول دا مجنون والله… لماذا يفعل ذلك؟
ألا يخاف من الدعامة أن يقتلوه؟
أليس أفضل لو نزح مع أهله؟
لكنه كان يتحرك بثقة. لا يخطو خطوةً إلا بعد أن يقرأ ما حوله:
ماذا بعد؟
أهي الخسارة أم المكسب؟
المنطقة كلها تئن…
الحصاحيصا وما حولها من قرى مشرّدة.
ومازن يقف صامدًا مثل جبل التاكا.
التكايا… وما أدراك ما التكايا؟
ثلاثة حجارة كبيرة (لدايات)… البحث عن الحطب (الوقود)…
طناجر كبيرة… بصل… عدس… أرز… مما جاد به أهل الخير.
لقمة تُقسَّم بين الناس، لا فرق بين كبير وصغير… كلهم سواسية، طردًا لجوعٍ قاتل.
مازن…
مياه الشرب تعطلت محطاتها، وسُرقت زيوت محولات الكهرباء.
أين نجد الحل؟
كل شيء يقول:
يا مازن، لا حيلة لنا – بعد الله – غيرك أنت.
وأخيرًا… يقف مازن أحمد الشيخ بين جدران السجن.
ماذا فعل؟
هل لأنه اخترق حاجز الصمت لأجل بقاء الجميع أحياء؟
أم لأن شهامته قادته إلى هناك؟
أطلقوا سراح مازن…
أطلقوا سراح مازن…
لتفرح به مدينة الحصاحيصا.
(خَمَّة نَفَس)
شعبٌ واحد… جيشٌ واحد.





