أ. طارق عبداللطيف أبوعكرمة يكتب .. الأحواز والمقاومة الاقتصادية: حين يتحول النفط إلى قيد ــ بعانخي برس
بعانخي برس
تمهيد: الثروة كاختبار للحرية
في منطق التاريخ، لا يُختبر الإنسان بالفقر فقط، بل بالثروة أيضًا. وفي الأحواز العربية المحتلة، كانت الثروة امتحانًا قاسيًا للحرية؛ إذ تحوّل النفط من وعدٍ بالنهضة إلى لعنةٍ للاستعباد. فالأرض التي تحتضن أكثر من 95% من موارد الطاقة الإيرانية تعيش اليوم أقصى درجات الفقر والتهميش. في مفارقة مأساوية، يغدو الذهب الأسود الذي يضيء مدن طهران وقم وأصفهان وقودًا لإظلام الأحواز نفسها. وهكذا، يصبح الاقتصاد سلاحًا من أسلحة الاحتلال، والنهب الممنهج أداة لتدمير الوعي والكرامة.
الأحواز ليست مجرد حقل نفط، بل هي الجغرافيا التي تحوّل فيها الإنسان العربي إلى (مورد طبيعي) بحد ذاته، يُستنزف كما تُستنزف الأرض. ولذلك، فإن معركة الأحواز ليست فقط لاستعادة السيادة على الثروة، بل لاستعادة المعنى ذاته: من يملك الأرض؟ ومن يستحق خيراتها؟ ومن يقرر كيف تُستخدم؟
المبحث الأول: من نهب الثروة إلى اغتيال التنمية
حين اجتاح رضا شاه الأحواز عام 1925، لم يكن هدفه (ضمّ إقليمٍ) بقدر ما كان هدفه السيطرة على “موردٍ استراتيجيّ”. فالأحواز كانت ولا تزال قلب الطاقة في المنطقة، ومفتاح القرار الاقتصادي والسياسي لإيران.
منذ ذلك الحين، تم تحويلها إلى (مستعمرة اقتصادية داخل الدولة)، حيث تُنتَج الثروة في الجنوب وتُستهلك في الشمال، ويُترك أصحاب الأرض بين بطالةٍ مزمنة وتهميشٍ متعمّد.
الاحتلال الإيراني لم يكتفِ بنهب النفط، بل صمّم نظامًا اقتصاديًا قائمًا على الإفقار المنهجي:
• حُرمت المحافظات الأحوازية من عوائد التنمية، فلا بنية تحتية حقيقية ولا مشاريع صناعية محلية.
• تم طرد آلاف العرب من أراضيهم الزراعية الخصبة بحجة (مشاريع الدولة)، لتُمنح لاحقًا للمستوطنين الفرس.
• جُففت الأنهار الأحوازية، مثل نهر كارون، عبر تحويل مجراها نحو المدن الفارسية الكبرى، لتتحول الزراعة إلى صحراء.
هذه الممارسات ليست مجرد سياسات اقتصادية، بل أدوات قهر وجودي، هدفها كسر إرادة الإنسان العربي الأحوازي، وتجريده من علاقته العضوية بأرضه، وتحويله من منتجٍ حر إلى تابعٍ ينتظر فتات المركز.
الاقتصاد كجبهة استعمار: في التجارب الاستعمارية الكبرى، كان الاحتلال دائمًا يسعى إلى تحويل المستعمَرين إلى مستهلكين لمنتجاته. وإيران، في الأحواز، طبّقت هذه القاعدة بذكاءٍ سياسي قاسٍ. فالمصانع التي تُقام لا تُدار بأيدٍ عربية، والوظائف في قطاع النفط تُمنح للوافدين الفرس، أما السكان الأصليون فيُحصرون في أعمال هامشية أو يُقصَون تمامًا. النتيجة هي (تطهير اقتصادي) يوازي التطهير الثقافي:
1. العرب يُقصَون من دوائر القرار المالي والإداري.
2. تُفرض الضرائب الباهظة على المزارعين المحليين بينما تُعفى الشركات المرتبطة بالحرس الثوري.
3. تُستخدم عائدات النفط لتمويل مشاريع التسلح والتوسع الإقليمي الإيراني في سوريا والعراق واليمن، بينما يعيش الأحوازيون دون خدماتٍ صحية أو تعليمية تليق بثروة أرضهم.
بهذا المعنى، يتحول الاقتصاد إلى أداة استعمار ناعمة، تقتل ببطء، وتستنزف بلا دماء. إنها سياسة “النهب الهادئ”، التي تدمّر الإنسان دون أن تُثير ضجيجًا سياسيًا.
نحو (اقتصاد مقاوم) أحوازي: في مواجهة هذا الاستعمار الاقتصادي، لا بد من تحويل (الفقر المفروض) إلى (اقتصاد مقاوم). والمقصود هنا ليس الشعارات، بل بناء منظومة واقعية تعتمد على التمكين الذاتي للمجتمع الأحوازي:
1. الاقتصاد المجتمعي المحلي: يجب استنهاض المبادرات الصغيرة والمتوسطة القائمة على الزراعة الحضرية، والصناعات المنزلية، والتجارة الداخلية. فكل مشروع صغير في الأحواز هو عمل مقاوم، وكل منتج عربي محلي هو إعلان استقلال اقتصادي مصغر.
2. اقتصاد المعرفة والهوية: التعليم والبحث العلمي يمكن أن يصبحا أدوات اقتصادية أيضًا. نشر المعرفة الزراعية الحديثة، وإعادة ربط التعليم بسوق العمل المحلي، سيكسر التبعية البنيوية للمركز الفارسي.
3. شبكات الدعم العربي: إن دعم الأحواز اقتصاديًا لا يحتاج إلى جيوش، بل إلى مؤسسات استثمارية وإعلامية عربية تتبنى قضيتها. يمكن خلق صناديق دعم عربية – شعبية، لتمويل مشاريع تنموية داخل الأحواز، كما حدث في تجارب التضامن مع جنوب إفريقيا وفلسطين.
4. المقاطعة الاقتصادية للمؤسسات الإيرانية: على المستوى العربي، يجب أن تتحول المقاطعة إلى أداة ضغط حضارية ضد الشركات التي تستثمر في الأحواز دون مراعاة لحقوق الإنسان. الاقتصاد المقاوم ليس فقط إنتاجًا، بل أيضًا وعيًا ومسؤولية جماعية.
فلسفة الثروة والتحرر: في جوهرها، قضية الأحواز ليست نزاعًا على (موارد)، بل صراعًا على معنى الثروة نفسها.
هل الثروة وسيلة للتحرر أم أداة للاستعباد؟ هل النفط نعمةٌ للأرض أم نقمةٌ على الإنسان؟
الاحتلال الإيراني أراد أن يجعل من النفط قيدًا ذهبيًا، يُسكت به الضمير العربي، ويشتري به صمت العالم. لكن الوعي الأحوازي الجديد بدأ يدرك أن تحرير الثروة هو تحرير الوعي، وأن السيطرة على النفط لا تتحقق بإدارة الحقول فقط، بل بإدارة المصير. إن الثروة التي لا تُدار بإرادة وطنية تصبح عبئًا، مهما كبرت أرقامها. الأحواز اليوم تُذكّرنا بأن العدالة الاقتصادية ليست مسألة محاسبية، بل قضية أخلاقية – وجودية.
الخاتمة: النفط، الذي كان يفترض أن يكون جسرًا للنهضة، تحول إلى مرآة تكشف عمق مأساة الاحتلال. لكنه أيضًا يمكن أن يكون مفتاح الخلاص إذا أعيد تعريفه كوسيلة للتحرر لا كرمز للنهب.
إن معركة الأحواز ليست فقط من أجل الأرض أو اللغة أو الثروة، بل من أجل إعادة تعريف معنى (الملكية) و(الكرام)” في الوعي العربي. فحين يُستعاد القرار الاقتصادي، تُستعاد السيادة. وحين تتحرر الثروة من الاستغلال، يتحرر الإنسان من التبعية.
الأحواز اليوم، وهي تواجه استعمارًا متعدد الأشكال، تذكّر الأمة العربية بأن معركتها الكبرى ليست فقط مع الاحتلال الخارجي، بل مع عجزها الداخلي عن حماية مواردها وصياغة مصيرها. تحرير الأحواز إذًا ليس شعارًا سياسيًا، بل هو مشروع تحرر شامل — اقتصادي، ثقافي، وإنساني — لأن من لا يملك خبزه، لا يملك حريته.





