راي

ياسر عرمان يكتب .. القبض على أخطر شيوعي متنكراً في زي بواب .. الشيوعي الأول: عبده دهب حسنين (٢-٣) ــ بعانخي برس

بعانخي برس

 

 

 

ياسر عرمان

(١)
أجابه الخواجة صاحب اللباس الغريب قالاً : انني هنري كوريل، ولابد ان عبده دهب كان في حيرة من امره في الكيفية التي بامكانه ان يجد بها هنري كوريل، كان ذلك بمثابة البحث عن أبرة في كومة قش، ولكن من الواضح ان (حدتو) التي كانت تجيد العمل التنظيمي وأكثر منه العمل الجماهيري، كانت تبحث عن السودانيين لتجنيدهم حتى تكمل نصفها النيلي.
من الجلي ان الخواجة الإيطالي قبل اعتقاله لم ينسى واجبه في ربط هنري كوريل بصيده الثمين عبده دهب حسنين. طلب هنري كوريل من عبده دهب في نهاية اللقاء ان يتلقي به في بنك والده واعطاه عنوان بنك نسيم كوريل، لعل ذلك كان من حرص كوريل لتضليل أجهزة البوليس بان ياتي عبده دهب كزبون عادي للبنك، وهنري كوريل المعروف بالتزامه السياسي الصارم الذي رافقه مثل ظله للقبر لم يستغرق وقتاً في إدارك أهمية عبده دهب وبعث به لمدرسة الكادر لرفع قدراته السياسية والتنظيمية في عزبة يملكها والد أحد أعضاء (حدتو) من البشوات، كانت مصر حينها تقع على ضفتي الملك والاحتلال الإنجليزي والجاليات الأجنبية، هنري كوريل الذي طرد لاحقاً من مصر عام ١٩٥٠ بواسطة الملك فاروق مثل ما طرد عبده دهب في عام ١٩٥١، أمضى كوريل حياته كلها في دعم حركات التحرر والبحث عن التغيير، وبعد خروجه من مصر منح منزل والده ليصبح مقراً لجبهة التحرير الجزائرية والتي عمل على مدها بالسلاح ، واصبح منزل والده ملكاً للسفارة الجزائرية لاحقاً كما أورد ذلك دكتور رفعت السعيد في سِفره الضخم عن اليسار المصري والذي أطلعت على أجزائه في سجن كوبر. لاحقاً في القاهرة وفي حوار مع الراحل دكتور عزالدين علي عامر أحد الكبار من مجموعة مصر، طلب مني ان اطلع على كتاب مدهش كتبه الكاتب الفرنسي جيل بيرو بعنوان ( هنري كوريل رجل من طراز فريد) وقد أغتيل كوريل في باريس امام منزله في ٤ مايو ١٩٧٨ بواسطة جماعة يمينية متطرفة تعرضت للهزيمة في الجزائر.
مما يجدر ذكره ان هنري كوريل قد دخل في مصاعب مع الحزب الشيوعي الفرنسي ومسؤول علاقاته الخارجية، وقد ذهب عبد الخالق محجوب في زيارة لباريس خصيصاً لمساعدة هنري كوريل للخروج من مصاعبه كما أورد جيل بيرو، وعُرف كوريل بانتمائه لقضايا الجنوب العالمي والعالم الثالث ولم ينسى مطلقاً ان بؤس الفقراء المصريين هو الذي قاده للسياسة كما عبر يوسف حزان لاحقاً.
حاول مؤسس الايسكرا (الشرارة) هليل شوارز وهو يهودي تجنيد عبده دهب الذي استمر موالياً لكوريل والحركة المصرية للتحرر الوطني والتي قامت بتجنيد الكثيرين في قسمها السوداني من الذين لعبوا ادوراً تاريخيّة في السودان.

(٢)
مجموعة مصر ضمت شخصيات مهمة وتاريخية وعلى رأسهم عبد الخالق محجوب وعبدالرحمن عبدالرحيم الوسيلة والتجاني الطيب بابكر ودكتور عزالدين علي عامر ودكتور عبدالوهاب زين العابدين أول سكرتير عام للحركة السودانية للتحرر الوطني والجنيد علي عمر واحمد سليمان وعبد الماجد ابو حسبو وصالح عرابي صاحب جريدة التلغراف وآخرين، وهي مجموعة ذات تأثير بالغ في مجريات اليسار السوداني وساهمت بفاعلية في تأسيس وقيادة الجبهة المعادية للاستعمار والحزب الشيوعي سيما بعد اندماجها مع مجموعة عطبرة ومجموعة أمدرمان او العاصمة التي تأثرت بالشاويش البريطاني الشيوعي ( استوري) تضم عضويتها من ضمن اخرين حسن ابوجبل وابراهيم حاج عمر وحسن دفع الله وعثمان محجوب وحسن الطاهر زروق أول نائب برلماني منتخب لليسار وممثل الجبهة المعادية للاستعمار في عام ١٩٥٣ وعبد القيوم سعد ودكتورة خالدة زاهر وعبد الحميد ابو القاسم هاشم وكامل محجوب ودكتور مصطفي السيد ودكتور محمد عمر بشير ودكتور موريس سيدرا ومحجوب محمد صالح وحسين عثمان ويني ودكتور فاروق احمد ابراهيم وفخر الدين محمد وسيد احمد نقد الله وابو المعالي عبد الرحمن ومعاوية سورج ودكتور عبد القادر حسن وآخرين، بينما ضمت مجموعة عطبرة قادة العمال الأماجد الشفيع أحمد الشيخ وقاسم امين وابراهيم زكريا وهم الذين يرجع لهم الفضل في أعطاء الجبهة المعادية للاستعمار والحزب الشيوعي ابعاد جماهيرية عريضة وأسسوا النقابات العمالية، ولعبوا دوراً مقدراً ضد الاستعمار البريطاني وارتبطوا باتحاد النقابات العالمي وحركة النقابات العالمية. في عام ٢٠١٧ في جنوب أفريقيا التقيت بالمناضل استالين الذي جاء موفداً من اتحاد النقابات العالمي في عام ١٩٥٤ وعمل مع الشفيع وقاسم وزكريا في عطبرة والخرطوم وهو عضو في المؤتمر الوطني الأفريقي والحزب الشيوعي، وحينما ذكرت ذلك لرئيس جنوب افريقيا ووزير خارجيتها خلال زيارتنا في يونيو ٢٠٢٥ كلاهما تذكرا هذا المناضل التاريخي الذي لازال يعيش في جنوب افريقيا.
كان استوري يطمح في دمج مجموعة العاصمة في الحزب الشيوعي البريطاني ولكن كوريل ارسل عبده دهب في عام ١٩٤٣ كما تقول احدى الروايات، اقتنع ستوري بضم مجموعة العاصمة وعطبرة مع مجموعة مصر وشكلاً الجبهة المعادية للاستعمار والحزب الشيوعي السوداني في استقلالية عن القاهرة ولندن.
لا تزال هنالك أسئلة معلقة على ابواب التاريخ حول مدى اهمية مواصلة الجبهة المعادية للاستعمار كتنظيم رأسي واسع الضفاف ينمو ويتوسع كحركة وطنية ديمقراطية عريضة في مقاربة مع تجربة حزب المؤتمر الوطني الأفريقي سيما ان اجندة الكولونيالية التي طرحتها الجبهة المعادية للاستعمار وما بعّد الكولونيالية في زماننا هذا اخذه في الصعود العالمي مجدداً طارحة قضايا البناء الوطني والديمقراطية والعدالة والمواطنة بلا تمييز والوحدة والسيادة ونهب الموارد وهي قضايا في قلب قضايا الجنوب العالمي.

في بداية الثمانينات وفي شهر يناير عقدت ندوة في نادي الماليين بالخرطوم دعيت لها الأستاذة فاطمة أحمد ابراهيم والمؤرخ الاستاذ التجاني عامر وطلبت منا الاستاذة فاطمة ونحن طلاب وقتها ان نرافقها، وتحدث الاستاذ التجاني عامر عن الاستقلال والحركة الوطنية وتجنب الحديث عن الجبهة المعادية للاستعمار، قامت الاستاذة فاطمة بصراحتها المعهودة بتوجيه النقد له واستغربت من عدم ذكره لنضال الجبهة المعادية للاستعمار وحركة شؤون العمال ضد الاستعمار البريطاني فعاد واعتذر، واضاف انه لم يشاهد مظاهرة تخرج ضد الإنجليز في العاصمة والا وكان على رأسها الاستاذ عبد الرحمن الوسيلة السكرتير العام للجبهة المعادية للاستعمار، وهو من مجموعة مصر. امتداد النضال من أجل العدالة وبعده الوطني ضد الاستعمار جدير بالدراسة.

(٣)
اختفى انور السادات المطلوب في قضية اغتيال امين باشا عثمان والضابط السابق في الجيش المصري والمتهم بالاتصال بالنازيين، وبجهاز إشارة وجد على مركب في النيل. اختفى السادات مثل فص ملح وذاب في منطقة شبرا والتقى بمطلوب آخر من صفوف اليسار هو عبده دهب حسنين ابو راس سوداني يطارده البوليس السياسي ودخل السجون المصرية مراراً قدرت بأكثر من (١٠٠) مرة بما فيها العطل والأعياد، وهو ذو خبرة وتجربة في قضايا الاعتقالات والسجون والتقى بالسادات، جمعتها رفقة الهروب من البوليس السياسي وتوثقت العلاقة بينهم وهم يتبادلون الملح والفول وتجارب عبده دهب في المعتقلات، ويتناولون فول (حاف) يشتريانه بتعريفه في قرطاس دون خبز لمدة أسبوعين ويتنقلان في مجاري الأمطار والمناطق المعزولة عن أعين البوليس، وانتشر المخبرين واجتهدوا في البحث عن الضابط السابق والهارب محمد انور السادات وتوصل البوليس لمكانه وعثر عليه بصحبة عبده دهب واقتادوهم لمركز البوليس السياسي، وضمت الاثنين رحلة اخرى في المعتقلات وتوثقت العلاقة بينهما، فعبده دهب سوداني-مصري، والسادات مصري- سوداني .
كان انور السادات وفياً للناس الذين التقاهم في رحلته نحو الصعود وتضم الرحلة قائمة طويلة من حلاقه الشخصي وكل من التقى بهم في سنوات الضياع وأزمنة المصاعب ، سيتضح ذلك لاحقاً في استمرار علاقته واهتمامه بعبده دهب حتى بعد ان اصبح رئيساً.
البوليس السياسي تعرف على السادات ولم يتعرف على عبده دهب بجلبابه السوداني والنوبي واحتار رجال قلم البوليس السياسي عن من هو الشخص الذي يرافق انور السادات، حتى مر عليهم رئيس قلم البوليس السياسي وتبسم صدقة في وجه عبده دهب وتعرف عليه وصدرت صحف الصباح تحمل عنواناً عريضاً ( القبض على اخطر شيوعي متنكراً في زي البواب)
نواصل …
٢٩ يونيو ٢٠٢٥

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى