عزيزة المعراج تكتب .. بين شاشات المنتديات وركام شوارع مدني تبرز الحقيقة المرة ــ بعانخي برس
بعانخي برس

في القاعة الدولية الأنيقة للمؤتمرات بجامعة الجزيرة، التي احتضن المنتدى الدوري الرابع بالتعاون مع مركز الألياف والورق وإعادة التدوير -كلية هندسة وتكنولوجيا الصناعات جرى حواراً اكاديميا في منتدى حمل عنوان : “استدامة معالجة النفايات.. الفرص والتحديات”. هناك، تحت أضواء المنصات، تدرك كم هو البون شاسع بين. الواقع والمأمول وكم هو عظيم هذا الوطن بأفكار علمائه، وكم هو مظلوم بسوء الادارة وقصور التنفيذ !
أيقظت ورقة الدكتور هارون عبد الرحمن حول “إعادة تدوير المخلفات الزراعية واستخدامها كقيمة مضافة” مواجع قديمة. أعادت إلى الذاكرة مشاهد من جمهورية الصين ذات دورة تدريبية ، حيث تنبض مدن وقرى بأكملها بالحياة والطاقة المستمدة كلياً من معالجة مخلفات الأرض وانتاج البايوغاز. والمفارقة المُرّة التي تجعل الحلق جافاً، أن السودان عرف تكنولوجيا البايوغاز منذ عشرينيات القرن الماضي، حين كانت سجونه تعتمد عليه كمصدر أساسي للطاقة! لكن “سوس الإدارة” وآفة الخلل المتجذر في مؤسساتنا أجهضا الفكرة في مهدها، فبدلاً من أن نطور التجربة لنقود المنطقة، تركناها تتلاشى حتى صرنا نبتعث كواردرنا لنندهش ونفغر فاهنا واسعا بما صنعه الآخرون بفضل أفكار بدأناها نحن وقبرناها بدوامة ودوام الفشل التنفيذي!
ولم تخلُ القاعة من جرعات أمل ، فقد جاءت ورقة تجربة ولاية القضارف في معالجة النفايات كشعاع ضوء شق بهيم هذا الليل، لتؤكد أن الإرادة متى ما وُجدت، يسقط منطق الحجج وتتوارى المعوقات. القضارف أثبتت أن هنالك من يعمل في صمت، ويرفض أن يتخذ من الظروف شماعة لتعطيل الإنتاج.
غير أن الصدمة الحقيقية أطلت مع ورقة ممثل إدارة البيئة بوزارة الصحة!
ورقة جاءت مُحملة بـ “الرفاهية النظرية”، وكأنها كُتبت بأيدي أكاديمي او استشاري يعيش في برج عاجي ينظر ولا يحمل هم التنفيذ ، لا من مسؤول تنفيذي مناط به رفع الأذى عن وجه المدينة! تحدثت الورقة عن مخاطر النفايات، وحذرت العقول -بكل جراءة- من “التعود والتعايش” مع مناظر الركام في الشوارع!
عفواً يا سعادة المسؤول.. نحن لم نعتد الأذى ولم نألف القبح، ولكن يبدو أنكم أنتم من ألفتم كآبة المشهد التي تخنق شوارع “مدني” رئيسها وفرعيها! إن الاختباء خلف مقولة “توعية المواطن هي أساس الحل” ما هو إلا هروب ناعم من المسؤولية . الحقيقة التي تجاهر بها كل زاوية في هذه المدينة هي أن المسيرين لهذا الملف هم من يحتاجون إلى “توعية عاجلة” بمعنى إدارة النفايات، وبحجم الكارثة البيئية، وبأهمية أن تُؤخذ صحة الناس ونظافة المدينة بمحمل الجد.
لقد مللنا السفسطة اللفظية، تحدثتم عن إلغاء كلمة “مكب” واستبدالها بـ “مصنع تدوير النفايات”! سموها ما شئتم: مصنعاً، مكباً، أو محرقاً.. لكن أوجدوه أولاً على أرض الواقع قبل أن تنمقوا الأسماء! والحديث عن “فرز النفايات” في هذه المرحلة ليس سوى رفاهية سمجة لا نحلم بها، فنحن كل ما نرجوه اليوم هو استعادة الحد الأدنى من الكرامة البيئية، وإنهاء هذا الكابوس المتواصل من التراخي والإهمال.
نحن نعلم جميعاً حجم الدمار الذي ألحقته الحرب بآليات المؤسسات، ونعلم أنها كانت طامة كبرى على الدولة، لكن التاريخ والواقع يعلماننا أيضاً أن المنح تخرج من رحم المحن، وأن هناك أمماً نُفضت من تحت الركام لتنهض وتنطلق نحو آفاق العزة. الحرب ليست شيكاً على بياض لتبرير العجز !
لا نطلب منكم معجزات، ولا نريد محاكاة للمحاضرات الأكاديمية .. أعطونا فقط امل… اعطونا خطة عمل واضحة، ورؤية حقيقية تُطمئن قلوبنا بأن هناك من يحمل همّ هذه المدينة بضمير حي.. أما والتبريرات، فقد فاضت بها الشوارع حتى زاحمت القمامة!




