راي

شئ للوطن ــ م.صلاح غريبة Ghariba2013@gmail.com ــ جمارك السودان: إرث “جريس” ورهان المستقبل ــ بعانخي برس

بعانخي برس

 

 

 

تحتفل دول العالم باليوم الدولي للجمارك، وهي مناسبة تتجاوز مجرد الأرقام والبيانات الاقتصادية لتلامس جوهر السيادة والأمان. وفي السودان، تكتسب هذه المناسبة صبغة خاصة، فهي ليست مجرد احتفاء بمؤسسة نظامية، بل هي وقفة إجلال لرجال نذروا أنفسهم لحماية ثغور الوطن، حاملين إرثاً ممتداً من المهنية والإنسانية.
عندما نستعرض تاريخ الجمارك السودانية، لا يمكننا أن نغفل ذلك الجانب الإنساني الذي طبع تعاملاتها عبر العقود. وفي الذاكرة صور لا تمحى من سبعينات القرن الماضي؛ فبينما كنا طلاباً ننهل من العلم في مصر، كانت رحلة العودة براً عبر النقل النهري من أسوان إلى وادي حلفا تمثل لنا جسر العبور نحو الحضن الدافئ.
هناك، على ضفاف النيل، برزت شخصيات إدارية أصبحت معالم في تاريخ الجمارك بفضل رقى تعاملها. نذكر منهم الاسم الشهير (جريس)، ذلك الضابط الذي لم يكن يرى فينا مجرد مسافرين أو أرقاماً جمركية، بل كان يرى فينا “طلاب علم” ومستقبل أمة، وكان “جريس” رانيا في تعامله، نموذجاً للموظف الشامل الذي يجمع بين الحزم واللطف، فكان يقدر الظروف ويتجاوز بوعي وبصيرة عن المقتنيات البسيطة التي يحملها الطلاب، مبتعداً عن التشدد الذي لا طائل منه، ولم يكن يثير الشبهات أو يرهق القادمين بالأسئلة التعسفية، مما خلق صورة ذهنية إيجابية عن رجل الأمن السوداني.
إن استرجاع هذه الذكريات ليس مجرد نوستالجيا للماضي، بل هو تذكير بالقيم التي قامت عليها مدرسة الجمارك السودانية. اليوم، ونحن نحيي اليوم الدولي للجمارك، نرسل تحية فخر واعتزاز لرجال الجمارك في كافة المواقع، في الموانئ والمطارات الذين يواصلون الليل بالنهار لضبط حركة الصادرات والواردات، وفي المعابر الحدودية الذين يقفون سداً منيعاً ضد التهريب بكافة أشكاله، حمايةً للاقتصاد الوطني وصحة المواطن، وفي المكاتب الإدارية: الذين يطورون النظم والتشريعات لتواكب التحول الرقمي العالمي.
“رجل الجمارك هو السفير الأول للوطن في منافذه، وبابتسامته ومهنيته تُرسم الانطباعات الأولى عن الدولة.”
إن الاحتفاء باليوم الدولي للجمارك يدعونا للتأمل في ضرورة الموازنة بين “تسهيل التجارة” و”إحكام الرقابة”. إن إرث أمثال “جريس” يعلمنا أن المرونة الذكية والنزاهة هما أساس النجاح الجمركي. إننا نتطلع إلى جمارك سودانية تستصحب هذا الإرث الإنساني العظيم، ودمجه مع أحدث التقنيات العالمية لتظل دوماً “العين الساهرة” التي لا تنام.
كل عام ورجال الجمارك السودانية بألف خير، حماةً للوطن وسنداً لاقتصاده.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى