طارق عبداللطيف ابوعكرمة يكتب .. السودان بين الحرب والانتظار: لماذا يتجدد الألم ولا تتجدد الدولة؟ ــ بعانخي برس
بعانخي برس
أ. طارق عبد اللطيف أبوعكرمة
السودان ليس مجرد مساحة جغرافية تتداخل فيها القبائل وتتصارع فيها الجيوش؛ إنه تاريخ طويل من المحاولات المؤجَّلة لبناء دولة لم تكتمل، وذاكرة متخمة بأحداث تتكرر كأن الزمن نفسه يرفض أن يتقدم. ما نشهده اليوم في الخرطوم وفي مدن السودان كافة لا يُختزل في اشتباك مسلح أو سلطة متصدعة، بل هو أزمة دولة لم تجد لحظة ولادتها بعد، لأن كل مفصل تاريخي كان يُطمس تحت ركام من الأحداث العنيفة قبل أن يكتمل مشروع التأسيس.
في عمق هذه المأساة يكمن منطق الانتظار الذي يستبد بالذهنية السياسية والاجتماعية. الانتظار هنا ليس حالة سلبية، بل هو آلية لإدارة الصراع وتموضع القوى. كل فاعل سياسي ينتظر لحظة فاصلة يتخيلها: انقلاب يحقق غايته، صفقة تفتح باب النفاذ إلى السلطة، أو تدخلاً خارجياً يعيد تشكيل موازين القوة. وهكذا تتحول الدولة نفسها إلى مكسب مؤجل، لا تُبنى مؤسساتها لأن بناءها يعني تثبيت قواعد اللعبة، ولا تُحسم علاقات السلطة لأن الحسم يتطلب تنازلات تُضعف فصيلاً وتُقوي آخر. في ظل هذا المنطق، يتجدد الصراع كفعلٍ استباقي، حربٌ تأتي قبل الدولة، وتجهض كل محاولة لقيامها.
ويضاف إلى ذلك أزمة شرعية تتآكل من الداخل والخارج معاً. الشرعية الشعبية مهتزة، والشرعية المؤسسية منقوصة، وحين يتراجع التفويض الجماهيري — أو يُستغنى عنه — يتقدم العنف ليصبح لغةً مركزية للتفاوض على الحكم. في السودان، لم يعد السلاح انحرافاً عن السياسة، بل تحول إلى إحدى لغاتها الأكثر حضوراً، إذ يرى كل طرف أن مناط شرعيته الأساسية يكمن في القدرة على القوة، لا على بناء توافق اجتماعي طويل الأمد. وهكذا تصبح الدولة هدفاً يُغتصب بالقوة لا عقداً اجتماعياً يتوافق عليه الجميع.
أما الاقتصاد، فلا يُنظر إليه هنا كمجال للتنمية، بل كأداة لإنتاج السلطة وتوزيعها. الاقتصاد السياسي للحرب — شبكات المحسوبية، اقتصاد السلاح، اقتصاد الظل — يجعل من فكرة (تجديد الدولة) مشروعاً خطراً على أصحاب الامتيازات. فالدولة الحديثة الشفافة لا تخدم شبكات النفوذ التي تتغذى على الفوضى، ولا ترضي أولئك الذين يربحون من الحرب أكثر مما يربحون من السلم. لذلك يصبح إصلاح الدولة عملاً ثورياً في جوهره، يتحدى مصالح راسخة ويتطلب تفكيك منظومات كاملة من الامتيازات غير المشروعة.
ويعود جانب مهم من الأزمة إلى غياب الذاكرة التأسيسية للدولة السودانية. لم ينشأ السودان الحديث على عقد اجتماعي واضح بين الدولة والمواطنين، بل على مزيج هش من الترتيبات الإدارية الموروثة، والولاءات القبلية، والتوازنات الهشة. وعندما تفشل النخب في صياغة مشروع وطني جامع، يملأ الفراغ كل ما هو بديل عن الدولة: القبيلة، الميليشيا، الخطاب العنفي، وطرق التعبير التي تعتمد على القوة أكثر من اعتمادها على الحوار. وهكذا يُعاد إنتاج الأذى السياسي في دورات متشابهة؛ تختلف الشخوص لكن البنية واحدة.
ومع ذلك، فإن الأزمة السودانية ليست تقنية ولا سياسية فقط، بل هي قبل كل شيء أزمة أخلاقية. فالدولة لا يمكن أن تتجدد دون استدعاء معنى مشترك للمصلحة العامة. إن غياب تصور واضح للعدالة، وانهيار قيم المشاركة، وتلاشي الشعور بالكرامة الجماعية يحوّل الدولة إلى جهاز فارغ من الروح، وإلى إطار تقني لا يصمد أمام زحف المصالح الجزئية. فحين تخلو السياسة من الأخلاق، يصبح العنف ممارسة مبررة، ويصبح تأجيل الدولة فعلاً مقبولاً، بل وربما ضرورياً للبعض.
إن الخروج من هذا المأزق لا يمكن أن يأتي عبر حل أمني أو تدخل خارجي، ولا عبر مفاوضات تكرّس التوازنات الهشة. تجديد الدولة في السودان يتطلب مسارين متلازمين: بناء شرعية جديدة عبر حوار وطني حقيقي يعيد توزيع السلطة والثروة وفق قواعد عادلة ومتفق عليها، وإعادة تفكيك اقتصاد الحرب الذي يستثمر في استمرار العنف، وتحويله إلى اقتصاد إنتاج يخضع للقانون ويستند إلى الشفافية. وعندها فقط يمكن تحويل منطق الانتظار — الذي جعل الزمن ساحة صراع لا تنتهي — إلى منطق بناء مؤسسي يعيد للدولة قدرتها على الوجود.
السودان لا يحتاج إلى مزيد من الوقت، بل يحتاج إلى كسر دائرة الزمن الذي يعيد إنتاج الجراح ذاتها. السؤال الحقيقي لم يعد: لماذا تتجدد الحروب؟ بل: متى سنكفّ عن الانتظار ونبدأ في بناء الدولة قبل أن يتجاوزها الزمن تماماً؟
معاً: لتكوين الجبهة الشعبية العريضة للديمقراطية والتغيير





