م. نادر زكي الشريف يكتب .. التعدين بين مطرقة الامتيازيين وسندان البيروقراطية: أزمة تضارب الصلاحيات تهدد مستقبل القطاع في السودان ــ بعانخي برس
بعانخي برس

يعيش قطاع التعدين في السودان حالة من الشلل المؤسسي نتيجة التوتر المتصاعد بين الشركات المستثمرة (الامتيازيين) من جهة، والجهات الحكومية التنظيمية من جهة أخرى، وعلى رأسها الشركة السودانية للموارد المعدنية وهيئات التعدين في الولايات.
فبعد اتفاق سلام جوبا، الذي منح الأقاليم حق إدارة مواردها بشكل مباشر، كان من المتوقع أن يشهد قطاع التعدين طفرة في الإنتاج والتنمية المحلية. إلا أن الواقع أفرز تعقيدات هيكلية بين الهيئات الولائية والشركة السودانية، التي ما زالت تُمارس سيطرة مركزية شبه مطلقة على عمليات التعدين، مما أدى إلى تضارب في الصلاحيات، وتعطيل للأنشطة، وانسحاب بعض المستثمرين.
—
صلاحيات على الورق… وسيطرة فعلية في المركز
تم إنشاء هيئات التعدين الولائية في إطار الترتيبات المؤسسية التي تلت اتفاق السلام، بهدف تمكين الولايات من إدارة مواردها الطبيعية والاستفادة من عائداتها. لكن هذه الهيئات سرعان ما وجدت نفسها محاصرة بلا سلطات تنفيذية حقيقية، أمام نفوذ الشركة السودانية التي تواصل إصدار القرارات المركزية، وتفرض شروطًا تنظيمية دون تنسيق مع الولايات.
هذا الوضع خلق حالة من الازدواجية في المرجعيات، حيث تتلقى الشركات تعليمات متضاربة، مما أدى إلى تجميد نشاط عدد كبير من شركات الامتياز، خاصة تلك التي لم تلتزم بنظام الشركة السودانية، الذي يصفه بعض المستثمرين بـ”البيروقراطي والمتقادم”.
—
شركات محبطة، وولايات عاجزة
تعاني الشركات العاملة في قطاع التعدين من عدم وضوح الإجراءات وتضارب السلطات، ما يؤدي إلى تعطيل المشروعات وزيادة التكاليف. وفي المقابل، تجد الولايات نفسها عاجزة عن تحصيل العائدات أو توجيهها للتنمية المحلية، رغم أنها المعنية مباشرة بتوفير الخدمات الأساسية ومعالجة الآثار البيئية والاجتماعية لعمليات التعدين.
وتشير مصادر مطلعة إلى أن بعض الأقاليم الغنية بالمعادن لم تستفد حتى الآن من عائدات التعدين، ما يهدد بخلق أزمات اجتماعية في ظل ارتفاع توقعات المواطنين عقب توقيع اتفاق السلام.
—
بيروقراطية قاتلة وتهميش للمجتمعات المحلية
يتهم العديد من الفاعلين في القطاع الشركة السودانية بفرض منظومة بيروقراطية معقدة، لا تراعي خصوصية الولايات ولا تواكب المتغيرات الاقتصادية. كما أشار مراقبون إلى أن هذه المنظومة ساهمت في إقصاء المجتمعات المحلية من المشاركة في القرارات، وحرمانها من فرص التنمية والتوظيف.
ووفقًا لتقارير من داخل القطاع، فإن عدداً من الشركات أوقفت نشاطها أو غادرت مناطق الامتياز بسبب ما وصفوه بـ”التعقيدات غير المبررة”، والاشتراطات التي “لا علاقة لها بالكفاءة التشغيلية أو المعايير البيئية”.
—
تحديات تضع البلاد على مفترق طرق
إن استمرار هذا الوضع يعمّق أزمة الثقة بين المستثمرين والحكومة، ويؤثر سلبًا على جذب رؤوس الأموال، كما يهدد بانهيار كامل لمردودات قطاع يُفترض أن يكون أحد أعمدة الاقتصاد الوطني.
وتواجه الحكومة السودانية اليوم تحديًا حقيقيًا في إعادة تنظيم القطاع بما يضمن عدالة توزيع العائدات وشفافية اتخاذ القرار، مع احترام الترتيبات السياسية والاقتصادية التي نص عليها اتفاق جوبا.
—
الحل في وضوح الصلاحيات وبناء الثقة
لحل هذا التوتر المعقد، يوصي خبراء القطاع بـ:
إعادة هيكلة العلاقة بين الشركة السودانية وهيئات التعدين الولائية، وتحديد الصلاحيات بشكل قانوني وواضح.
تمكين الولايات ماليًا وإداريًا لإدارة مواردها وفق مبدأ العدالة والتنمية المحلية.
إنشاء منصة رقمية موحدة للتراخيص، تُدار بشفافية وتُسهم في تقليل الفساد وتسريع الإجراءات.
إشراك المجتمعات المحلية في صناعة القرار وتخصيص نسبة من العائدات لصالح مشروعات تنموية.
تطوير أداء المؤسسات التنظيمية من خلال التدريب واعتماد تكنولوجيا حديثة تقلل الأثر البيئي وتزيد الكفاءة.
—
خاتمة
يبقى السؤال الأهم: هل يمكن للسودان أن يتحول من نموذج المركزية الخانقة إلى نموذج إدارة تشاركية تُراعي مصالح الجميع؟
الوقت لم يمضي بعد، لكن إن لم يتم كسر الحلقة البيروقراطية وتحقيق العدالة في إدارة الموارد، فإن قطاع التعدين ــ بكل إمكاناته الهائلة ــ سيظل رهينة صراع صلاحيات لا يخدم سوى الفراغ والفشل المؤسسي.
—مهندس نادر ذكي الشريف




