شيء للوطن ــ م.صلاح غريبة Ghariba2013@gmail.com ــ «اقتصاد الفضة»: استثمار الإنسانية في رعاية كبار السن اللاجئين السودانيين ــ بعانخي برس
بعانخي برس

لقد حظيت مؤخرًا بفرصة ثمينة لحضور والمشاركة في محاضرة بالغة الأهمية حول مفهوم “الاقتصاد الفضي” (Silver Economy)، وهو مصطلح يصف الفرص الاقتصادية والخدمات التي تلبي احتياجات واهتمامات السكان كبار السن. وبينما كان النقاش يدور حول البيانات العالمية والفرص التجارية، لم يستطع عقلي إلا أن يقفز إلى واقع مؤلم وقريب: واقع كبار السن السودانيين الذين أجبروا على ترك ديارهم واللجوء إلى مصر ودول الجوار هربًا من ويلات الحرب، ليجدوا أنفسهم فجأة على هامش هذا الاقتصاد والاهتمام.
إن “الاقتصاد الفضي” ليس مجرد سوق جديد لشركات التكنولوجيا الطبية أو خدمات السياحة الفاخرة الموجهة لكبار السن المقتدرين. بل هو، في جوهره، مقياس لمدى تحضّر أي مجتمع والتزامه الأخلاقي تجاه الفئة التي قضت عمرها في البناء والعطاء. وعندما نتحدث عن كبار السن اللاجئين، فإننا لا نتحدث فقط عن احتياجاتهم الأساسية من مأكل ومسكن وعلاج، بل نتحدث عن حقهم في الكرامة، والاعتراف، والاستمرارية الاجتماعية.
إن كبار السن اللاجئين من السودان يواجهون تحديات مضاعفة. فبالإضافة إلى صدمة النزوح وفقدان الأمان المادي والاجتماعي، يواجهون صعوبة أكبر في التكيف مع البيئات الجديدة مقارنة بالأجيال الأصغر. فمن فقدان شبكة الدعم العائلي والجوار الذي ألفوه، إلى الحاجة الماسة لرعاية صحية متخصصة غالبًا ما تكون مكلفة أو غير متوفرة في مراكز الإيواء أو المجتمعات المضيفة.
هنا، يبرز التحدي الأكبر: كيف يمكن دمج مفهوم “الاقتصاد الفضي” الإنساني في الاستجابة للأزمة؟، إن الحل يكمن في تحويل هذا التحدي إلى فرصة، ليس للربح المادي، بل للربح الاجتماعي والإنساني. يجب علينا أن نتبنى نهجًا مجتمعيًا مستدامًا يرتكز على المبادرات الفعالة ومنها برامج الرعاية الصحية المخصصة والمنزلية (Home-Based Care)، بدلاً من الاعتماد الكلي على المستشفيات المزدحمة، يمكن تشكيل فرق تطوعية طبية ومدربة للقيام بزيارات منزلية دورية، خاصة لحالات الأمراض المزمنة. هذا لا يخفف العبء على النظام الصحي فحسب، بل يوفر لهم الرعاية في بيئة أكثر راحة وهدوءاً.
كبار السن هم كنز من المعرفة والخبرة. يمكن إنشاء “مبادرات نقل الخبرة” حيث يقوم كبار السن بمشاركة مهاراتهم (كالخياطة، الحرف اليدوية، الطبخ، أو حتى الحكايات الشعبية) مع الأجيال الأصغر من اللاجئين والمجتمع المضيف. هذا يمنحهم شعورًا بالهدف والقيمة، ويحولهم من متلقين للمساعدة إلى مساهمين فعالين، مما يعزز من صحتهم النفسية، ويجب إعطاء الأولوية لإنشاء مراكز مجتمعية آمنة (حتى لو كانت مساحات بسيطة) تتيح لهم فرصة التجمع والتواصل بلغتهم وثقافتهم، وممارسة طقوسهم الاجتماعية المألوفة. هذه التجمعات هي أفضل علاج للصدمة النفسية والعزلة التي يعانون منها، بجانب الاحتضان الأسري الممتد (Host Family Programs)، بتشجيع الأسر المستقرة في المجتمعات المضيفة على “احتضان” كبار السن الذين لا يملكون معيلًا أو أسرة قريبة، لدمجهم في نسيج حياتهم اليومي، ولو على مستوى الدعم الجزئي والاجتماعي.
إن رعاية كبار السن اللاجئين السودانيين ليست مجرد واجب أخلاقي أو عمل خيري عابر، بل هي استثمار في قيمنا الإنسانية الأساسية. يجب على الحكومات والمنظمات الدولية والمجتمع المدني في مصر ودول الجوار أن تنظر إلى هذه الفئة ليس كـ “عبء إغاثي”، بل كجزء أصيل من مسؤوليتها الإنسانية التي تتطلب حلولًا مبتكرة ومستدامة.
إن تفعيل “اقتصاد فضي إنساني” يركز على الكرامة وجودة الحياة لهذه الفئة المستضعفة هو الاختبار الحقيقي لقدرتنا على ترجمة المفاهيم الاقتصادية الكبرى إلى فعل إنساني ملموس. فليست الفضة هي ما يلمع في هذا الاقتصاد، بل الإنسانية ذاتها.




