شئ للوطن ــ م.صلاح غريبة Ghariba2013@gmail.com ــ سبعون عاماً من “الاستقلال الناقص”: هل يفك السودان شفرة الوجود؟ ــ بعانخي برس
بعانخي برس

تحلّ الذكرى السبعون لاستقلال السودان هذا العام، والبلاد لا تحتفل بزهو المنجزات، بل تئن تحت وطأة الوجود ذاته. فبعد سبعة عقود من خروج المستعمر، يجد السودانيون أنفسهم أمام حقيقة صادمة: أنهم نالوا “جغرافيا” مرسومة بالمسطرة، لكنهم فشلوا في صياغة “رؤية” تجمع الشتات، وظلت الدولة منذ عام 1956 تراوح مكانها على عتبة التأسيس، تحمل مفتاحاً لم تحسن استخدامه، وخريطة لم تفك رموزها بعد.
المشكلة لم تكن يوماً في شح الموارد أو كسل الشعب، بل في “عقلية النخبة” التي ورثت هياكل الاستعمار المركزية واستمرت في تشغيلها بذات المنطق الإقصائي. تحولت السياسة في السودان من أداة لإدارة التنوع وبناء المؤسسات إلى ساحة لصراع الإرادات الضيقة.
لقد تعاملت النخب التعاقبية مع الدولة بعقلية “المالك” لا “الخادم”، وبمنطق “الغالب والمغلوب”. وبدلاً من أن يكون التعدد العرقي والديني مصدراً للثراء، حوّلته الأيديولوجيات الأحادية إلى وقود للحروب. سُجنت الهوية في قوالب ضيقة، واختُزلت الدولة في “مركز” مستأثر بالسلطة والثروة، بينما بقي “الأطراف” في حالة اغتراب وطني، حتى انفجر هذا التهميش نزاعات دامية مزقت نسيج البلاد.
إن ما يعيشه السودان اليوم من حرب مدمرة اندلعت في 15 أبريل 2023 ليس مجرد صراع عسكري عابر، بل هو “الانفجار الكبير” لتناقضات الاستقلال غير المكتمل. هي النتيجة الحتمية لسبعين عاماً من الدوران في “حلقة شريرة”: دولة ضعيفة تؤدي إلى نزاع، ونزاع يمعن في تمزيق الدولة.
كانت الصدمة الأولى هي انفصال الجنوب، والتي لم تكن مجرد خسارة جغرافية، بل كانت إعلاناً صريحاً عن فشل مشروع “الدولة الوطنية الجامعة”. واليوم، تأتي حرب أبريل لتضع الكيان السوداني برمته على مقصلة التفكك، محولةً البلاد إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية ونهب الموارد، في ظل غياب “الشفرة” التي تحول الجماعات المتناحرة إلى مجتمع مدني حديث.
رغم هذه القتامة، يظل التاريخ فعلاً إنسانياً قابلاً للتغيير وليس قدراً محتوماً. إن “الشفرة المفقودة” لبناء الدولة السودانية ليست طلسماً غيبياً، بل هي قيم بسيطة وعميقة: العدل، الحرية، والمساواة. الأمل اليوم لا يعقده السودانيون على النخب التقليدية التي أدمنت الفشل، بل على جيل ثورة ديسمبر 2018. هذا الجيل الذي اجترح “غرف الطوارئ” وسط النيران، وأثبت أن السودانيين قادرون على ابتكار آليات للتعايش والإغاثة وحماية بعضهم البعض حين تغيب الدولة. هذا الجيل يرى في التنوع ثروة لا تهديداً، وفي المواطنة أساساً وحيداً للحقوق والواجبات.
في ذكراه السبعين، يقف السودان أمام خيارين لا ثالث لهما ، الاستسلام للتمزق وهو المسار الذي تقوده الحرب الحالية، حيث تبتلع الأيديولوجيات والقبليات ما تبقى من جسد الوطن، او التأسيس الثاني، وهو الانخراط في عملية سلام جذرية تبني دولة جديدة تماماً على أنقاض “دولة الاستقلال الناقصة”؛ دولة تُبني بالأفكار الجامعة لا بالحديد والنار.
إن استعادة السودان تبدأ بفك الشفرة: تحويل “الجماعة” إلى “مجتمع”، وإدراك أن قوة الدولة لا تكمن في أجهزتها الأمنية، بل في ثقة مواطنيها بعدالة مؤسساتها. سبعون عاماً كانت كافية لنتعلم الدرس القاسي: الوطن الذي لا يسع الجميع، سينتهي به المطاف ألا يسع أحداً.





