
لم أكن أتوقع يوماً أنني أمسك بقلمي لأكتب عن شخصية اعتبارية، حتى لا أُصنَّف وأُركَن على زاوية (تكسير تلج)، ولولا واقعٌ عشته ولقاءٌ كنت حضوراً ومستمعاً لحديثٍ لرجلٍ يحمل رتبة لواء عسكري، جلوساً على حافة الطريق تحت ظل شجرة نيم ضخمة، لما سجّلت سطراً واحداً، إذ إنني لست من أولئك الذين يفرشوا الأرض زهوراً للذين لا يستحقون حتى أشواك شجيرة المسكيت.
حقيقةً، الرجل بهرني بقوة ذكائه ودهائه، فهو “الرجل الداهية” اللواء يوسف النور قائد قوات التحالف السوداني القطاع الأوسط، نائب رئيس هيئة الأركان للتدريب، جندياً يعرف كيف يرتب نفسه موعداً وحديثاً، له من ذلك تسلسلاً ورسماً للحدث والمشهد، شرحاً تفصيلياً دون كتاب أو أوراق دُوِّنت عليها المواقف والمعارك التي خاضتها قواته.
كنا نستمع إليه بصمت دون أن نقاطعه، حتى شجرة النيم كان لها الاحترام الصامت، وهو يرسل إشارات مبطنة تؤكد بأن هنالك الكثير يحتاج للوقوف عنده ليُسجَّل على دفتر مذكرات للتاريخ، لتقرأه مستقبلاً وتحمله الأجيال في صدورها لتحكي عن تلك البطولات، على مر الأزمان، بعد تحرير كافة أنحاء السودان من مليشيا آل دقلو الإرهابية.
ولاية الجزيرة ساكنة في قلبه، وودمدني محفورة في وجدانه، المولد والنشأة والطفولة “ولعب البلى وشليل وينو أكلو الدودو والدافوري” والمحالج و…و..
حدثنا وجنوده يمسكون بالمعول والطورية والقفة والمكنسة، وآخرين بالفرشة تجميلاً للشوارع.
لم يكن مرتدياً البدلة العسكرية وعلامات الرتبة العسكرية مرصوصة على كتفه، اليوم مختلف عن بقية الأيام، فهو للعمل الميداني المجتمعي، إزالة للنفايات والأوساخ والأتربة من على تقاطع (كازبلانا حتى مايو أربعين)..
كيف ذلك؟
هي الحرب، لقد علمتنا الكثير، لقد قاتلنا حباً للوطن، هو السودان العظيم، وانتصرنا بقوة وعزيمة الرجال، وها هي ولاية الخرطوم والجزيرة وسنار وعدد من مدن كردفان، وأمس الدلنج، لنا وليس لهم.. فليذهبوا للجحيم.
كان يتحدث مبتسماً، لا أرى في حديثه نشوة زهو أو علو كعب أو تعالٍ.. “مواطن عادي جداً”.
لقد حجب الكثير من المعلومات عنا، فهو لا يريد الإفصاح عنها، فهي أمور عسكرية لا يمكن الحديث عنها إلا داخل غرف القيادة، فهذا أمر مقبول بالنسبة لنا.
قال: كل ما ترونه من أعمال وتأهيل لمدينة ودمدني تبرعات من الخيرين، والمواطنين الذين هم دائماً يقدمون لنا ما لديهم ببساطة أهلنا السودانيين. وها نحن نعمل بيد وأخرى تحمل السلاح، وليس لنا أي جهة سياسية نتلقى منها الأوامر والتعليمات، كلنا جيش تحت قيادة القوات المسلحة، وكما تعلمون قواتنا الآن في كل المحاور تقاتل من أجل الوطن، ومتى جاتنا التعليمات تلقونا قدّام.
الوقت يمضي بسرعة ويسرقنا لساعة، غير أن الحديث لرجل داهية قوي الشخصية مثل اللواء يوسف يجعلك تبحر معه بعيداً، وقد لا تجد ضفة لذاك البحر، أي أنه ممدود بلا ساحل. كان لحديثه وقعاً خاصاً في نفوسنا، هي الجندية التي ارتشف منها جرعات الصبر والقوة والعزيمة، عرف كيف يعطي ولا يأخذ.
لملمنا أوراقنا وأغلقنا هواتفنا،
وصورة اللواء الداهية علقت في أذهاننا، فكم يا ترى من أمثاله في وطني العظيم.
(خمة نفس)
الدلنج.. الدلنج.. دخلوها بقوة واقتدار.. فقد عادت لحضن الوطن، وستعود كاودا قريباً للوطن وغير كاودا… “شعب واحد جيش واحد”





